Monday 21st November,200512107العددالأثنين 19 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الرئة الثالثةالرئة الثالثة
دبي (تحلِّق) بعيداً .. ولا وقت ل(ربط الحزام)!
عبد الرحمن بن محمد السدحان

أمضيت وعائلتي جزءاً من إجازة عيد الفطر المبارك هذا العام في مدينة دبي .. بعد غياب طويل دام نحو ثلاث سنوات .. وقد حذّرني أصدقاء كثرُ من صخب دبي .. مروريّاً وسكانيّاً وفُنون عيش، وأنّها قد لا تكون المكان المناسب لامرئٍ ينشدُ الهدوءَ بعيداً عن أرق العمل وإرهاصاته .. لكنّني رغم ذلك عقدتُ العزمَ على شدِّ الرِّحال إليها، بعد أن سمعت عنها (حكاياتٍ) تستفزُّ الخيال، وتشدُّ نزعةَ الفضولِ لمعرفة ومشَاهدة المزيد!
* *
* أصدقائي (الرومانسيُّون) .. كانوا في مقدِّمة مَنْ حاولوا تثبيطَ عزْمي على السفر إلى دبي .. بحجّة أنّ المخاض التنموي الصارخ الذي تشهده هذه المدينة قد يحبط في نفسي نشوةَ البحث عن متعة الهدوءِ الحلال، وقد تُرغمني على هجْرها إلى مكان آخر بحثاً عن سكينة النفس!
* *
* أمّا (البرجماتيُّون) من أصدقائي، وجُلُّهم من رجال المال والأعمال، فقد حرَّضني معظمهم على زيارة دبي معلِّلين ذلك بأنّ الزيارةَ لن تَخلوَ في كلِّ الأحوال من فائدة تأمُّلية ل(الحراك التنموي) الباذخ الذي اتّخذَتْه دبي شِرْعةً لها ومنهاجاً، وأنّها تعيشُ الآن مخاضاً ضخماً من التحديث تحاول من خلاله اختصَارَ المسافات لِحاقاً بخطى الغرب المتَحضِّر!
* *
* حزمتُ حقائبي واتّجهتُ مع أُسرتي إلى مدينة دبي ثاني أيام عيد الفطر المبارك .. لأمضيَ هناك خمسة أيام مشْحُونةٍ بالتأمُّل المبهر، والمتابعة المذْهلة لكلِّ ما وقعت عليه عيناي من إنسَان وجماد. وقد عدتُ إلى بلادي في ختام الرحلة بحزمة من (الانطباعات) .. لا أجزم بصدقيّة معظمها صدقيّة تنفي عنها الجدَلَ، ولا أزعم أنّ ما استنْتجتُه عبر هذه الرحلة منزَّهٌ عن الخطأ، فأنا لستُ محلِّلاً اقتصادياً ولا فيلسوفاً تنموياً كي (اقرأ) وأحلِّل شواهد العين المجرَّدة عبر أيام قليلة، وجلُّ ما استقطب انتباهي وشدّ وجداني كان (الجانب الإنساني) لظاهرة دبي الحضارية ومدلولاتها الاجتماعية والثقافية.
* *
* سأخصِّصُ ما بقيَ من هذا المقال لعرض بعض الانطباعات التي احْتشَدتْ في ذهني منذ لحظة وصولي إلى مطار دبي حتى مغادرتي لها، فأقول:
* *
أولاً: أزعم أنَّ مطار دبي الدولي لا يكاد يبزّه مطارٌ آخر عبر القارتينْ الأفريقية والآسيوية، عدا مطار سنغافورة استثناءً. ومع ذلك، سمعتُ أنّ هناك توجُّهاً لإنشاء مطار جديد، أضخمَ مساحةً وأثْرى تجهيزاً وتقنيةً، وأنّ المطار الحالي ربما يخَصَّصُ للشحن الجوي من دبي وإليها! وهذا أمرٌ يصعب الأَخْذُ به، لكن .. مَنْ يدري .. فدبي لا تعرفُ مستحيلاً!
* *
ثانياً: هناك كمُّ هائل من (نويْطحات السحاب) يتم إنشاؤها بسرعة وبتزامن مذهليْن، وعبر مساحات من الأرض متقاربة. سألتُ نفسي أكثَر من مرة: لمن تقرع أجراسُ الإعْمار الشامخ في دبي؟ أللعمالة الرخيصة المتوفّرة بأعداد ساحقة في البلد، أمْ للسيّاح القادمين إلى دبي من كلِّ أرجاء الدنيا، وفي الغالب، لن يقيموا في هذه المرافق، لأنّ الفنادقَ القائمة والمتوقَّعة تفي بالغرض، أم لاستقطاب شرائحَ مُتْرفَة من سكان الأرض، لتزْدادَ بذلك الرقعةُ السكانية الوطنيةُ تضَاؤُلاً وانْزِوَاءً؟! وأكتفي هنا بَنثْر التساؤلات، أمّا الردُّ عليها فلستُ مؤهَّلاً له!
* *
ثالثاً: بعضُ الفنادق الحديثة في دبي (جُزُرٌ) من الخيال العلمي والفني والمعماري معاً، طُرِّزتْ بذائقة من التاريخ والجغرافيا و(فلكلور) العيش الحديث. وهي لا شك نقطةٌ مضيئةٌ في مسَار نموِّ هذه المدينة وازدهارها، ولكن، هل في وسْعِ كلِّ سائح قادمٍ من أقصى الأرض أو أدْناها أن يتَكبَّدَ أعباءَها المالية؟!
* *
رابعاً: رغم وثْبات التحديث المتسَارعة في دبي، والانفتَاح الكبير على ثقافات العالم، والغرب خاصة، إلاّ أنّ ما شَاهدتهُ عبر زيارتي القصيرة من مظاهر احتشام (امرأة دبي) زيّاً ومظهراً يبشِّر بخير، خاصة عندما تسير في سوق أو شارع بالقرب من امرأة أخرى قادمة من أقصى الغرب، أو من بعض أمصَار وطننا العربي، تَتمرَّغُ أبصارُ (الفضول الذكوري) على مساحات مكشوفة من جسدها!
* *
خامساً: أختمُ هذا الحديثَ عن دبي بوقفتيْن هامّتيْن:
الأُولى: واضحٌ لكلِّ ذي لبٍّ أنّ مدينة دبي قد حلّقت منذ حينٍ بسرعةٍ مذْهلة في فضَاء التنمية بجناحيْن من الطُّموح والجرأة، ولم يبقَ لديها وقتٌ ل(ربط الحزام)!.
الثانية: موجَّهةٌ إلى أجهزة التنمية في بلادنا، بشقَّيْها العام والخاص فأقول: لماذا لا ندرس الآن وليس غداً تجربة التنمية في دبي، بدقيقها وجليلها، دراسة تحليلية أمينة ودقيقة، فيقْتبسُ منها النافعُ والمفيدُ، مما يُصْلِحُ أمرَ إدارتنا، وآليةَ تعاملنا مع تحدِّيات التنمية وأعبائها، لأنّ كثيراً من مفردات بنيتنا التحتية، تفتقر إلى التقويم والإصلاح: آلياتٍ وقواعدَ وأداءً.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved