شدني المقال المميز الذي كتبه معالي الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي بجريدتكم الغراء يوم السبت 17- 10-1426هـ، ووددت المشاركة فيه برأي متخصص في الاقتصاد والتنمية. وكعادة معالي الدكتور وبأسلوبه المميز والمحبب أشركنا بما يجول في خاطره عن حبه لحب الناس، وحبه الأكبر لأداء المسؤولية الوطنية. ولا يشك أحد منا في سجله العامر بالأعمال، والحب الغامر له في نفوس مواطنيه، والرصيد الكبير من الحب والاحترام الذي لن تمحوه الأيام. ولكن ليسمح لي معاليه أن أختلف معه في بعض ما ذكر، حيث إنه أشار إلى حبه لحب الناس له، وأن كل إنسان سوي يسعى إلى حب الناس، ولكن حب المسؤولية يجب أن يكون أكبر. أهدي إليه ما قاله لنا البروفيسور مانديل أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا (بيركلي) في محاضرته الوداعية لنا طلاب الاقتصاد قبل تخرجنا وقبل وفاته بعدها بمدة وجيزة.. لقد قال: (إنكم ستخرجون من عالم الأكاديمية إلى عالم العمل وكسب المعيشة، وسوف تتخذون قرارات مصيرية، فادرسوا الأمر كثيراً قبل القرار، ثم لا تندموا أبداً على قراراتكم؛ فلا أحد يستطيع تغيير الماضي، كما أنكم يجب أن تسعوا إلى احترام الناس وليس إلى حبهم، فلن يحبكم أحد سوى والديكم، وقد تحب ابنك ولكنك لا تحترمه إذا كان فاشلاً، وقد تكره رئيسك في العمل ولكنك تحترمه لنجاحه). انتهى كلام البروفيسور الذي لا يزال عالقاً بذهني منذ عام 1968م. لذلك أقول لمعاليه إنني أختلف معه في أن يسعى إلى حب الناس له، بل إلى احترام عمله وهو مما لا أشك فيه، أما الكره فلا أعتقد أن أحدا يكرهه، بل لا يحب بعض عمله أو لا يحبه لنجاحه ولكنه يحترمه فيه، وهنا أتفق مع الأعرابي الذي قال (لا يكره البغض إلا النساء). كذلك فإنني أختلف معه في تبسيط موضوع البطالة وحلولها وردها إلى موضوع واحد هو الاستقدام، وأن زيادته سوف تقلل من فرص عمل السعوديين أو أن خفضه أو منعه سوف يزيد من فرص عمل السعوديين.. بل قد يكون العكس صحيحاً، فلو استقدمنا فنيين مهرة لإدارة شركة أو شركات أو مصانع منتجة وتسبب ذلك في رفع مستوى الكفاءة والإنتاج والمبيعات والتنمية الاقتصادية لزاد ذلك من فرص العمل في تلك الشركات للسعودي ولغيره، أي أن كفاءة الاقتصاد ونموه هي التي تخلق فرص العمل، ولو تسبب حجب الاستقدام في التأثير على كفاءة ونمو وتنافسية الاقتصاد السعودي لقلّت فرص العمالة للسعوديين وغيرهم، وازدادت البطالة في المجتمع للسعودي ولغيره. لقد دهشت عند سماعي في إحدى مقابلات الدكتور غازي القصيبي عدم اتفاقه مع ما دعا إليه الدكتور محاذير محمد من استغلال المملكة لميزاتها النسبية، خصوصاً ما ذكره محاذير محمد من تصدير الكهرباء والماء اعتماداً على توافر الطاقة والنفط لتحلية المياه المالحة وتوليد الكهرباء، مع أن ذلك أساس أي اقتصاد، وهو زيادة القيمة المضافة لأي ميزة نسبية أو مورد وحيد لدى أية دولة. لقد وجدت سويسرا نفسها في جبال مكسوة بالثلوج، فاخترعت صناعة السياحة بالتزلج على تلك الثلوج وكسبت أموالاً عظيمة، ووجدت سنغافورة نفسها مدينة صغيرة مكتظة بالسكان فركزت جهودها على التقنية فأصبحت تستورد الماء من جيرانها وتعالجه وتكرره وتبيعه لهم وتحقق أرباحاً.. ولعل ذلك كان في مخيلة الدكتور محاذير محمد عندما جاء للمملكة. ولقد كان أجدادنا خبراء في الاقتصاد قبل اختراع هذه النظرية، حيث كانوا يستغلون الميزة النسبية للنخلة والبعير بشكل يثير الإعجاب لأكبر الاقتصاديين، وكانوا يعملون الأبواب من النخيل وكذلك الأحذية والحقائب والمراوح وسفرة الطعام إلخ.. وكله من إنتاج النخلة، وكذلك بيوت الشعر والمشالح والملابس من وبر الجمال، وغيرها من المواد التي تضيف قيمة كبيرة لهذا الإنتاج الذي وهبهم الله إياه ميزة نسبية عن غيرهم، وكانوا يصدرون ما يفيض منه. ونحن منذ 50 عاماً أو أكثر وعلى مدى 8 خطط تنموية خمسية لا نزال نصدر البترول خاما يقوم غيرنا بزيادة القيمة المضافة منه عدة مرات ويبيعه لنا مرة أخرى بقيمة أعلى. وحتى القريب كنا نستورد البنزين وبعض المنتجات المكررة من المواد الأساسية التي نصدرها خاماً دون أية معالجة أو زيادة لها بتوظيف أبنائنا وبناتنا وأموالنا المهاجرة. إن الحل الأمثل للبطالة هو في زيادة وتيرة النمو الاقتصادي، وهذه حقيقة علمية لا يختلف عليها أي اقتصادي، ولكن معالي الوزير لم يتطرق إلى ذلك، ولا أعرف السبب، هل هو اتساق مع اختلافه مع الدكتور محاذير محمد وتحقيق للمثل البدوي (لا يجتمع حصانان في مربط واحد؟؟). آمل من وزيرنا المحبوب أن يتفق مع الدكتور محاذير محمد، وأن يعطي الاقتصاد حقه من جهده المميز وفكره النير، وأن يسعى إلى احترام الناس لا حبهم له، مع أن له رصيدا كبيرا من الاثنين أرجو أن يستمر ويتزايد.. ومن أجل هذه كتبت هذا التعليق البسيط، وسوف يتبعه إن شاء الله مقالات أخرى عن أهمية التنمية الاقتصادية باستغلال أكبر للمزايا النسبية الكبيرة في بلد مثل المملكة العربية السعودية التي حباها الله بكثير من الميزات النسبية التي لم تُستغل حتى الآن.
(*) عضو مجلس الشورى
|