من حق قطر، ونحن معها ومع شعبها، بالاعتزاز بعضوية مجلس الأمن التي ستبدأ في أول يناير 2006م ولمدة سنتين، بعد أن صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على ترشح القارة الآسيوية لدولة قطر كي تشغل المقعد الآسيوي لغرب آسيا، ورغم أن المصادقة هي إجرائية وعادية وفق اللائحة التي تنظم عضوية مجلس الأمن، تبقى هناك شروط كثيرة لابد أن تتوفر لمن يريد أن يسعى للمشاركة في عضوية مجلس الأمن. في عام 1978م انضمت الكويت كعضو غير دائم لمجلس الأمن، وكانت أول دولة خليجية في المجلس، مثلت شخصياً دولة الكويت في المجلس لمدة سنتين، شاهدت فيها الكثير من المريح والكثير من المزعج، وأكثر من ذلك من الصراع الحاد بين الاتحاد السوفيتي، وبين دول الغرب أيام الحرب الباردة. في ذلك الزمن كان دور الدول غير المنحازة في المجلس حيوياً للتوفيق بين الطرفين ومؤثراً في الصياغة وفي تعديل القرارات، وفي إزالة غموضها، وفي تشخيص التبعات، وفوق ذلك كان دور عدم الانحياز جوهرياً في الموافقة على القرار وعلى تنبيه. كان الاتحاد السوفيتي يرتاب جداً في سلوك الأعضاء الغربيين من دول الناتو، وكان يعتمد لهذا السبب على مجموعة من عدم الانحياز، وكان لدول أوروبا الشرقية مقعد واحد تشغله إحدى الدول الاشتراكية وتتبع عميانياً مواقف موسكو، ولهذا لم يكن لها اعتبار، وكانت واشنطن ومعها دول الناتو تهتم كثيراً بمجموعة عدم الانحياز للحصول على دعمها، لكن موسكو كانت تغازل وتحاور وتجامل هذه المجموعة أكثر من الغرب. كنت أول رئيس للجنة الإشراف على حظر الأسلحة إلى جنوب إفريقيا، بموجب قرار مجلس الأمن في فرض الحظر والمقاطعة العسكرية، واستمررت في هذا الموقع عامين، لم أجد دعماً من موسكو أو من واشنطن، كانت الدول - شرقاً وغرباً - تخادع وتمارس الغش وتبيع في السر، بينما تصارخ ضد وصول الأسلحة إلى حكومة جنوب إفريقيا نفاقاً وكذباً. وبعد فترة انتظار عقدنا اجتماعاً للجنة ألقيت فيه خطاباً نارياً ضد الدول الأعضاء التي تهادن بعضها وتتلصص على بعضها لكن أيضاً تتستر على بعضها البعض. المهم أن مجلس الأمن في ذلك الوقت غيره اليوم، كان صراعاً واليوم إجماعاً، كان الشك واليوم التوافق، كان حلبة ملاكمة بالكلمات وصار موقع تفاهم بالمصالح، كان الفيتو حاضراً وصار الآن مستصعباً، كانت جلسات المجلس ماراثوناً من الجمل الفضفاضة وأصبح الآن جلسات مصادقة، شاهدت الكثير، وأود أن أوضح بعض ما شاهدت ومقارنة ذلك بما نعرفه عن قطر: أولاً: أنصح من لا يملك قراره بالابتعاد عن عضوية مجلس الأمن، فالجمعية العامة مكان يضم الأغنياء والأثرياء والفقراء والبائسين والأشرار والخيرين، مجلس الأمن يضم القادرين على اتخاذ القرار واتخاذ المواقف الواضحة، هل تذكرون اليمن وعضويتها في مجلس الأمن أيام الغزو؟، لأن حكومة اليمن لم تجرؤ على اتخاذ القرار الذي يتناسب وخطورة الموقف، لجأ المندوب إلى التشويش والتغيّب وانتهى بعدم التصويت في سابقة خطرة، وأتذكر عضوية سوريا منذ سنوات وغياب مندوبها عن القرار حول العراق وعجزه عن الانسجام مع ثقل المسؤولية. الذي لا يستطيع تحمل الحرارة ونيرانها عليه الابتعاد عن المطبخ. جميع دول الخليج شاركت في مجلس الأمن، كانت إيجابية في وضوحها ومساهمتها، ابتداء من دولة الكويت ثم الإمارات وبعدها عمان وأخيراً البحرين، ولم تسع المملكة العربية السعودية إلى العضوية. ثانياً: ليست العضوية في الحضور فقط أو في التصويت، وإنما في المشاركة في الصياغة وفي التحضير للقرارات وفي مساعي الإقناع التي نسميها اللوبي الهادئ، وأكثر من ذلك القدرة على الكتابة والتعبير باللغة التي اعتادت عليها الأمم المتحدة، وأتصور بأن الوضع الآن أفضل كثيراً عما كان عليه سابقاً. فاللغة العربية موجودة كلغة رسمية في مجلس الأمن، ولا تحتاج الوفود العربية إلى معجزة لغوية من أجل تأكيد المشاركة. ومع ضرورة المشاركة في الجلسات الجانبية واللقاءات الصغيرة التي تطبخ القرارات ومطبخ مجلس الأمن اليوم حافل بالأجندة حول العراق، سوريا، السودان، ليبيا، فلسطين، إيران.. إلى آخر اللائحة المعقدة، ومسؤولية المندوب القطري تفرض عليه الانسجام مع الشرعية الدولية، وأنا واثق بأنه لن يجامل على حساب مبادئ الشرعية، وضوابط السلوك الدولي. ثالثاً: ليس صحيحاً بأن المندوب القطري يمثل العرب وإنما يمثل دولته، وتصويته لا يلزم الدول العربية أو الدول الآسيوية وإنما يلزم نفسه، أتوقع من المندوب القطري، أن يسعى لتحقيق توافق داخل مجلس الأمن بمشاركة مجموعة عدم الانحياز، ولكنني لا أتوقع أن يخرج عن المصالح العامة لدولة قطر. حتماً لم يكن المندوب السوري يمثل العرب عندما تغيب عن قرارات العراق، أو عارضها أو امتنع عنها، وإنما كان صوت سوريا فقط.. ولا أشك أيضاً بأن المواقف القطرية ستكون انعكاساً لمصالح مجلس التعاون، فتعانق المصالح بين هذه الدول عميق جداً، وأتمنى أيضاً على المندوب القطري أن يشيد علاقات عمل إيجابية مع الدول الأعضاء الأخرى في مجلس الأمن، لأنه سيعمل معهم وسيحتاج لهم في التنسيق وفي العمل المشترك في الصياغة وفي تقديم مشروع القرارات. عملت شخصياً مع دول كبيرة في مجلس الأمن، لم أجد جدية في حجمها ولم أجد متانة في مواقفها، عندما تطرح القرارات للتصويت، يتلاشى الحجم بسبب حاجة هذه الدول للمساعدات وحرصها على عدم تعريض علاقاتها للهزات. آخر مرة سألني رئيس وزراء إحدى الدول الإفريقية عن سلوك سفيره في مجلس الأمن، كان عضواً معنا، وكان كثير الكلام وعند الشدة في التصويت أرسل سكرتير الوفد ليحتل المكان وتغيب السفير خوفاً من الإحراج. لا أعرف لماذا جاءني ذلك السفير يدعوني للقاء مع رئيس الوزراء الذي لم يكن مرتاحاً من ثرثرة السفير وحماسه غير المنتظر. وأخيراً فإن المهم أن يخرج صوت قطر من مجلس الأمن من مصالحها، وأن لا يأخذه الحماس والتضامن لتبني مواقف لا مصلة لنا فيها، فلا توجد دولة تضع مصالح الآخرين على حسابها. مجلس الأمن هو نادٍ خاص له نكهة خاصة تفرز عضويته صداقة وطيدة بين أعضائه وتوفر التفاهم والانسجام بينهم، وتضع على أعضائه مسؤوليات إضافية ليس فقط في سئون الملفات وإنما أيضاً في الحقل الاجتماعي والفكري والإعلامي. عضوية مجلس الأمن هو طموح معظم الدول، والمجلس نادى النخبة، شعرت شخصياً بعد انتهاء عضوية الكويت في مجلس الأمن بأنني شخص آخر لم يعد بإمكاني العودة إلى قاعة العويل والصراخ في الجمعية العامة.
|