* كتب - فهد الغريري: في مقابل الكثير من عواصم العالم الشهيرة التي يتجاوز عمرها المئات ليصل إلى الألف والألفين عام تقف الرياض التي لم تعرف إلا منذ 300 عام فقط عاصمة حضارية تجاوزت معدلات نموها تلك العواصم القديمة والشهيرة بكثير حتى وصلت إلى معدلات خرافية ملموسة ومحسوسة، فالرياض اليوم مختلفة عن الرياض قبل عشر سنوات فارقاً يحتاج أكثر من العقد بكثير. ويشهد يوم غدٍ الثلاثاء عرس هذه الفاتنة التي خرجت من رحم الصحراء، حيث سيحمل أهاليها وثيقة حب ومبايعة لمليكهم عبد الله بن عبد العزيز في احتفال يليق بحجم ومكانة المليك المفدى، وقد أكملت الرياض زينتها متكأة على تاريخ بدأ منذ استرد الملك المؤسس عبد العزيز -رحمه الله- أسوارها.. وأضاء فيها مشعله لينير به ظلمات الصحراء ودياجيها ويسلمه لأولاده من بعده يتناقلونه محافظين عليهم حفاظهم على الأمانة التي تشربوا وجوب تقديسها من ديننا وقيمنا... فما هي الرياض؟ ***** اسم على مسمى تقبع هذه الواحة في وسط الصحراء متحدية هجير القيظ وذرات الغبار لتستحق اسمها الذي أطلق عليها بوصفها إحدى تلك المناطق القليلة التي تميزت بخصوبة أرضها واخضرارها بين كثبان الرمال والسهول القاحلة المترامية الأطراف، حيث كانت تكثر فيها عيون الماء وبالتالي المزارع مما حقق النظرية العلمية التي تقول بوجود البشر حول المياه ومن هنا برز نجم الرياض خلال ثلاثة قرون ماضية لتكون مركزاً تجارياً يربط شرق الجزيرة العربية بغربها وجنوبها بشمالها وتمر بها القوافل في طريقها، فتقف وتستريح، ثم تواصل المسير ومن هنا بدأت مسيرة هذه المدينة التي تحولت فيما بعد من واحة زراعية ومن ثم تجارية إلى واحة سياسية مهمة تنعم بالسلام والأمن والأمان في خضم المتغيرات العالمية المتسارعة. فجر الرياض فكما كانت الرياض ذات موقع استراتيجي يتوسط رمال وصحاري الجزيرة العربية، جاءت المملكة العربية السعودية في موقع مهم يتوسط قارات العالم لتنعكس أهمية الدولة على العاصمة ويرتفع اسم الرياض عالياً في جميع المحافل الدولية منذ أن تم توحيد هذه البلاد على يد صقر الجزيرة الذي جابها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً حتى بسط جناحيه عليها، ثم اختار الرياض لتكون هي مركز الإشعاع لأنها كانت نقطة البداية. في نصف قرن وفي نصف قرن فقط استطالت قامة الرياض لتتحول من واحة صغيرة في الصحراء وبلدة صغيرة تحيط بها الأسوار إحاطة السوار بالمعصم ولا تستطيع الدخول إليها إلا من بواباتها (الثميري) و(دخنة) و(منفوحة) وغيرها إلى مركز إشعاع حضاري وتجاري وسياسي مفتوح للعالم بلا بوابات ولا أسوار، وتتسع مساحتها من نصف كيلومتر مربع وقت استردادها على يد الملك عبد العزيز - رحمه الله - إلى 1782 كيلومتراً مربعاً لتتجاوز بذلك مساحات بعض الدول، حيث تبلغ هذه المساحة ثلاثة أضعاف مساحة سنغافورة مثلاً ومازالت هذه المساحة في ازدياد مستمر. وتستطيع هذه الفاتنة الصحراوية أن تستولي على القلوب وتصبح مهوى الأفئدة من جميع جهات المملكة فإذا بعدد سكانها الذي لم يتجاوز العشرة آلاف نسمة يصل إلى ما يقارب من الخمسة ملايين خلال مئة عام فقط بمعدلات نمو لم تقل عن 8% سنوياً، بل تجاوزته إلى 16% في بعض السنوات. حصن حصين ومن قصر (المصمك) الذي كان ومازال يشمخ في وسط الرياض اكتسبت هذه المدينة قوتها، فالمصمك الذي يعني البناء الحصين السميك ظل شامخاً رغم عوادي الزمان وهجمات الغزاة وكما أعاد صقر الجزيرة -رحمه الله- بناء ما تهدم منه عام 1319هـ إثر غزوات سابقة أعادت أمانة مدينة الرياض ترميمه بعد واحد وثمانين عاماً وتحديداً في 1400هـ ليتحول فيما بعد إلى متحف يستعرض نشأة الدولة الفتية وقيامها وازدهارها ويقوم بافتتاحه عاشق الرياض الأول وأميرها سلمان بن عبد العزيز في 1416هـ. معانقة السماء والآن بإمكان المتجول في الرياض أن يشاهد هذا التطور التاريخي على أرض الواقع، فسور الرياض القديم تم إعادة بناء بعض أجزائه وكذلك بوابتا (الثميري) و(دخنة) والبرج المجاور لدخنة، ثم يمر على المصمك وجامع الإمام تركي بن عبد الله أول من اتخذ الرياض عاصمة عند قيام الدولة السعودية الثانية عام 1240هـ ليتجاوز ذلك كلّه ويتجه شمالاً، حيث يشهد بعينه الرياض الحديثة التي شبت عن السور وتجاوزته بمراحل دون أن تتخلى عن تراثها وجذورها. وفي شمالها سترى كيف تعانق أرض الرياض السحاب عبر برجي (المملكة) و(الفيصلية)، حيث يبلغ ارتفاع الأول 300 متر والثاني 266 متراً فيدرجان ضمن أطول المباني في العالم، كما أدرجت الرياض ضمن أسرع المدن نمواً حتى وصلت عنان السماء. انطلاقة النور واستمراريته في هذه الواحة الصحراوية والنقطة المضيئة في عتمة الصحراء نشأ من سلالة صقر الجزيرة صقر آخر هو صقر العروبة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز، وكما تعلم ركوب الخيل والفروسية في ضواحي الرياض التي ازدحمت الآن بالمباني والسيارات تعلم أيضاً السياسة وكيفية تناول الأمور من الجلوس في مجلس والده -رحمه الله - الذي فتح أسوار الرياض وأضاء فيها مشعلاً ليقصدها رجالات السياسة والفروسية والعلم من داخل الجزيرة العربية وخارجها وحول العالم ليجلسوا في مبنى طيني قديم يتوسط الرياض ويتناقشون حول القضايا السياسة والدينية والثقافية والاجتماعية، وتمتد هذه الصورة حتى العصر الحديث فلا يتغير منها إلا الشكل، أما المضمون فيبقى كما هو: صقر آخر يشمخ وسط الصحراء ويأتيه الناس من أصقاع الأرض ليسترشدوا بحكمته في أهم القضايا التي تؤرق العالم فيستقبلها الجميع بالنظر والتحليل.. إنه عبدالله بن عبدالعزيز.. في الرياض.
|