Monday 21st November,200512107العددالأثنين 19 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "محليــات"

يارايارا
قراءة الرواية (2)
عبدالله بن بخيت

أردأ أنواع الكتابة الروائية أن يأتي الكاتب بشخصيات إلى النص ليستخدمها أو ليدينها. قرأت يوماً من الأيام رواية العراب لماريو بوزو. كان هذا قبل سنوات طويلة. جلست فترة طويلة أريد أن أعرف لماذا أحببت تلك الرواية، (رغم أنها سيرة مجرم قذر). وضعت قائمة بمجموعة من الروايات التي أحببتها وقرأتها عشرات المرات، أعمال دياستوفسكي وبعض أعمال نجيب محفوظ، وبعض أعمال جمال الغيطاني، ورواية الطيب صالح موسم الهجرة للشمال، وأعمال جي أم كوتسييه، وأعمال ماركيز ورواية العراب هذه ..الخ. ثم وضعت قائمة مقابلة بالروايات التي أسفت أني قرأتها مثل روايات حنان الشيخ، وروايات عبدالرحمن منيف، وروايات حيدر حيدر ..الخ. ثم طالبت نفسي أن تحدد الفرق بين المجموعتين. كلها تنطوي على شخصيات، وكلها تنطوي على أحداث، وكلها لاقت من يمدحها. كان من الصعب تحديد السبب حتى تأملت جيداً في رواية العراب لماريو بوزو من خلال مصطلح محدد.
رواية العراب هي باختصار سيرة حياة مجرم قاتل غارق في مجتمع الجريمة المنظمة. لكن عندما تنتهي من قراءتها لا تشعر تجاه هذا الرجل بالكراهية أو الحقد، بل ربما شعرت في لحظة من اللحظات بالاحترام أو ربما بالحب والتعاطف. نفس الشيء بالنسبة لشخصية مصطفى سعيد في موسم الهجرة أو أنا بوفاري في رواية مدام بوفاري. تتداخل في حياة بطل الرواية المعروف بالعراب الحيوات المختلفة كما تتداخل في حياة أي إنسان. بعد أن يسوي أموره الإجرامية يعود إلى المنزل ليبدأ في التصرف كأي رب عائلة في هذه الدنيا. إذا استبعدنا طبيعة العمل سنرى إنساناً حنوناً متعاطفاً لا يتردد في مساعدة الغير. القضية ليست في توفير حياتين متناقضتين واحدة للمنزل والأخرى للعمل، فالصفات الإنسانية الراقية منسجمة تمام الانسجام مع حياته الإجرامية. لا يوجد انفصام بين الشخصيتين. عندما يكون مستغرقاً في أداء الواجب كالتخطيط للقتل أو التباحث في صفقة إجرامية أو دراسة عملية من العمليات لا تبدو عليه صفات المجرم، وإنما صفات رجل الأعمال الجاد والحازم. من المستحيل فصل سياق العمل عن سياق الحياة، تناغم بين حياة البيت الدافئة وبين حياة الإجرام وسط الأعوان والمساعدين. .الحياة مهما كانت واضحة في تقرير رجل الشرطة أو في أوراق الباحث الاجتماعي أو الواعظ إلا أنها مليئة بالتشوش المنسجم تمام الانسجام في العمل الروائي. العمل الروائي ليس عملاً مهنياً أو أيدلوجياً أو بحثاً اجتماعياً أو تحقيقاً بوليسياً أو نصيحة مطولة.العمل الروائي عمل فني تتحرك فيه الأحداث والشخصيات على مستوى وجودي حتى وإن كانت أحداثها يومية. ظللت فترة طويلة غير قادر على التعبير عن هذه الرؤية لأني لم أكن أملك المصطلح الذي يعبر عنها حتى قرأت في يوم من الأيام العرض الأول الذي قدمته جريدة النيويورك تايمز على ترجمة أعمال عبدالرحمن منيف للإنجليزية. كنت قبلها أقول وبكل استحياء إن أعمال منيف لا ترقى إلى مستوى العمل الروائي الذي أفضله. كان الجو في ذلك الزمن مسمماً بالنظرة العروبية والثورية. أقصى ما كنت أستطيع أن أقوله إن هذا العمل لا يتفق مع ذوقي. كانت روايات منيف للتو نشرت باللغة الإنجليزية، كان هذا عام 1993م. قال المراجع فيما أذكر إن أعمال منيف تفتقر إلىparadox). ) لم يكن المصطلح مفاجئاً بالنسبة لي، كنت قد قرأته في كثير من الأعمال النقدية. كانت المرة الأولى التي أقرأ هذا المصطلح في هذا السياق. كان هذا المصطلح في هذا السياق هو الذي كنت أبحث عنه لأصنف الروايات التي أقرؤها بطريقة أكثر وعياً. الرواية تقوم إذاً على وجود هذاparadox. الترجمة الحرفية (المفارقة) ليس على المستوى اللغوي ولكن على المستوى الوجودي. نفس ذاك الفقر الذي شعرت به عندما قرأت سلسلة مدن الملح. أي لا يوجد فيها شيئان متناقضان حتميان قدرهما التعايش معاً حتى آخر لحظة في الحياة. كانت الشخصيات واضحة المعالم جيء بها للنص لتعمل وفقاً لأيدولوجية المؤلف. كانت الشخصيات في غاية الانسجام والتبعية.كاتب العراب على عكس من منيف، كان يحوم حول هذا التناقض ويعمل على كشفه. ترك كل الشخصيات في شوارع نيويورك وراح يتأملها في مناخاتها الطبيعية، لم ينقلها إلى مكتبه. العراب لم تكن سيرة مجرم، كانت راوية. على هذا لا يمكن الجمع بين أعمال كونديرا وبين أعمال عبدالرحمن منيف تحت تصنيف واحد. لا يمكن الجمع بين أعمال حنان الشيخ وأعمال جي أم كوتزيه تحت تصنيف واحد. عندما تقرأ كونديرا تحس أن هناك كثيراً من العطف الإنساني يجوب في النص، يرطب كل كلمة فيه، تشم رائحته كما تشم رائحة الندى في صباحات الحقول. بينما تحس أن في روايات منيف أو حنان الشيخ كثيراً من المرارة. اصطكاك كصر الإنسان على الأسمنت. تحس أن الشخصيات جلبت لأرض النص كالرقيق عليها واجبات يجب أن تعملها وتلبس الأسمال التي فصلها لها الكاتب دون أن تسأل. اقتلعت من تناقضاتها الإنسانية وهذبت ثم وظفت لتكون جزءاً من موعظة مطولة أو شتيمة.
مشكلة الروايات السعودية أنها وقعت في هذا الفخ، فخ الشخصيات المصنوعة في المكتب.

فاكس : 4702164

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved