هل كانت الأزمة العراقية الداخلية بحاجة إلى أجواء أخرى كي تطير مسألة الوفاق العراقي إلى القاهرة لعقد مؤتمر يعنى بمسألة داخلية خالصة؟ ليست المرة الأولى التي لا ينظر العرب إلى أزماتهم إلا من خلال المؤتمرات التي تسبقها مهام التضخيم والتركيز على من شاركوا أو لم يشاركوا في هذا المؤتمر أو ذاك. كما أنها حالة اعتاد العرب عليها من خلال مفهوم إذا أردت أن تميع قضية عليك أن تحيلها إلى اللجان، باعتبارها مدفن المشروعات. الوفاق العراقي الذي هو عنوان لمؤتمر في القاهرة، هو في الحقيقة عنوان كبير يعكس الحالة العراقية الداخلية، التي تواجه معضلات عدة، أولاها مسألة الخروج الأجنبي، والقضاء على الإرهاب الذي أصبح العراق مركزاً لتجمع منظماته، واحتواء النزاعات الطائفية والمذهبية والعراقية، وهي في الحقيقة النقطة الأهم، كما يبدو، لأن المسائل الأخرى يمكن لها أن تحل جذرياً باستثناء الفتنة الداخلية التي تسيل الدماء من أجل الاختلاف لمواطنين في النهاية يقتسمون الوطن والمصالح والحقوق، وخطورة هذه المسألة أنها في حال تطورها ستصبح متوارثة مما يشي بحرب أهلية لا تنتهي في زمن قصير. الاختلاف على التئام جراح العراق داخلياً، ذهب إلى مؤتمر الوفاق، وربما كانت هذه النتيجة المتوقعة قد سبقت المنطق، حيث إن العراقيين أنفسهم ومن دون أيّما مشاركة من أحد هم بحاجة للاقتناع بالحلول وتجاوز مثل هذه الأزمات التي يواجهها بلد ما زالت دماؤه تنزف، وإذا لم يبلسم العراقيون جراحهم هذه ويتفقوا على مداواتها فيما بينهم، فلا أظن ذلك ممكنا في مؤتمر يشد رحاله خارج العراق ليتنفس برئات العرب غيرهم، المملؤة هي الأخرى بكثير من التلوث والأزمات. ولو كانت هذه المؤتمرات قد حسمت أموراً عربية كثيرة سبقت هذا المؤتمر لما كان العراق في حالته هذه، لأن الأرشيف يضج بمسميات وتواريخ لتجمعات عربية كثيرة، رفعت على الرف، ونسيها الناس لأنها لم تلامس أي وعود أو واقع يتعايشون به ويصبح لصيقاً بمثل هذه المهمات التي يوحي معظمها بالمشكلة، لكنه لا ينذر بالحلول لمن سلموا المهمة لأصحاب القرار كي يتفقوا على مستقبل للعراق متصالح مع نفسه ومؤمن بمثل هذه الشعارات التي تملأ الدنيا كالديمقراطية المرجوة بعد سنين عجاف من القمع، وما ليس له آخر من احتلال وإرهاب وتطرف مذهبي وعرقي وطائفي. إرادة الوفاق ذاتية المنشأ، ولا يمكن للوفاق أن يستورد، وإن لم يبن أهل البيت، عبثاً يبني البناؤون.
|