في السعي المستمر نحو عالم مستقر تبرز بصفة خاصة الشؤون المتعلقة بالاقتصاد، باعتبار أنه المحرك لجلّ النشاط الدولي بما فيه من تعاون، وبما في فيه من أزمات ومعضلات، ولذا فإن قدراً كبيراً من الاستقرار الدولي يعتمد على ما تظهره الدول من جهود لتأمين مختلف السلع وسعيها لسد الندرة وبالذات في السلع الاستراتيجية وعلى رأسها النفط والغذاء.. وقد درجت المملكة طوال عقود عديدة على لعب دور محوري في مجال النفط، باعتبار أنها الأكثر إنتاجاً، فضلاً عمّا تتوفر عليه من احتياطات هي الأكبر في العالم، إذ تبلغ ربع الاحتياطي العالمي المعروف.. وإلى هذه المزايا اسبغت المملكة على سياساتها النفطية ما هو معروف عنها من سياسات حكيمة حققت لها علاقات ممتازة مع معظم دول العالم، وهي سياسات ترمي بشكل خاص إلى استقرار أسواق الطاقة من خلال مراعاة مصالح المنتجين والمستهلكين على السواء.. وفيما يتصل بالمصالح المحلية التي تندرج تحت قائمة المنتجين فإن تطوير الإمكانات النفطية يبقى دائماً محوراً مهماً، فالثروة النفطية فضلاً عمّا توفره من مكتسبات تؤثر على كافة مناحي الحياة، فهي أيضاً تشكل ضماناً مستقبلياً للأجيال القادمة.. ولهذا فإن السياسات النفطية تستوجب ضمن أشياء عديدة الوفاء باحتياجات الحاضر دون الانتقاص من حقوق الأبناء مستقبلاً، ومن ثم فإن هذه السياسات تستجيب للأوضاع الدولية في سوق الطاقة من أجل تفادي الأزمات الحادة دون أن يكون ذلك على حساب الاحتياجات الوطنية الحالية والمستقبلية.. وقد لمس خادم الحرمين الشريفين لدى مخاطبته الحضور في حفل تدشين مقر منتدى الطاقة الدولي، هذه المسألة من قريب من خلال إشارته إلى أن مصالح المملكة الوطنية لا تتعارض مع مصالح المجتمع الدولي، مشيراً بهذا الصدد إلى أن المملكة قامت بزيادة طاقتها الإنتاجية من النفط على نحو لا يمس حقوق الأجيال القادمة.. وخلال أزمات عديدة مرت بالعالم في مجال الطاقة فقد أدت المملكة دور المنتج المرجح، بحيث تسعى لإكمال النقص في الإمدادات العالمية من النفط متى ظهرت الحاجة، وهو أمر أسهم كثيراً في تفادي مصاعب واختناقات جمة كان يمكن أن تتطور إلى أزمات حادة تعاني منها البشرية جمعاء.. وتقدّر الدول الأعضاء في أوبك هذه المبادرات التي تقوم بها المملكة، كما أن كبار الدول المستهلكة طالما رددت أن المملكة هي مصدر للطاقة يمكن الاعتماد عليه وأنها شريك يمكن التعويل عليه كثيراً في مجال الطاقة كما في غيره.. وبذات القدر، فإن الدول المستهلكة الكبرى مطالبة بأن تبذل من جانبها جهوداً تتواءم مع ما يقوم به كبار المنتجين، وفي هذا المقام فقد دعا خادم الحرمين الشريفين الدول المستهلكة إلى خفض الضرائب على المنتجات النفطية من أجل تخفيف العبء على مواطنيها.. وسيكون من المهم دائماً أن تتكاتف جهود مختلف الدول من منتجين ومستهلكين من أجل استقرار الأسواق وإبعاد شبح الأزمات طالما أن ذلك أمر في حيز الإمكان وطالما أنه أمر حتمي يمكن إنجازه من أجل صالح الجميع.
|