حينما أحس مالك بن الريب سنة ستين هجرية دنو أجله رثى نفسه بقصيدة، أصابت من الشهرة حظاً عظيماً لصدقها وعمقها، وطرافة موضوعها، وصدورها عن فطرة نقية، لا تعرف التصنع، حتى غدت غرضاً فريداً من أغراض الشعر في أدب العرب، غير أنها لم تطغ على غرض آخر من أغراض الرثاء، وهو رثاء الأعضاء. ربما كان هذا الباب ألطف وأشرف وأرشق وأصدق؛ لأنه يعبر عن جدلية الحياة والموت، ويصور عنف الصراع بين الرغبة في البقاء والخوف من الفناء، وهو صراع خاسر في كل حين، يخسر فيه الأطباء معركة الصراع من الأدواء، وينهزم فيه الأحياء أمام ملك الموت، بعد أن يتشبثوا بالدنيا، ثم تنفلت أزمتها من أيديهم، فإذا هم أثر بعد عين، كأن لم يكونوا فوق ظهرها بالأمس. ورحيل الإنسان بالموت جملة واحدة أمر معروف مألوف، لا يحص أحد أن فيه غرابة تحيره، أما الموت المنجم (بالتقسيط) فهو المشهد المضحك المبكي، والفصل الهازل الجاد في الملهاة المأساة التي تمثلها كل يوم على مسرح الكبير، أفلا يجدر بنا أن نرسل فيها طرف معتبر قانت، لنعود منها بحكمة متعظ صامت، تشغله تكاليف الحياة وترهاتها عن حقيقة الموت المتربص به؟ أشهر ما رثي من الأعضاء اليد الشهيدة التي استشهدت يوم فلطاس حينما نازل صاحبها عبدالله بن سبرة الروم، إذ التحم بقائد من قادة العدو وصرعه، وقبل أن يصرعه كان هذا القتيل قد حز كفه بسيفه، فقطع ثلاثاً من أصعابه، وأبقى الرسغ مزادناً بإصبعين، يتحلقان حول الرمح، ويساعدان ابن سبرة على الذب عن الخائفين، من لقاء العدو. إن قطع أصابعه وكفه لم يثنه عن الجهاد، بل زاده رغبة في الاستشهاد، وتحدياً للأعداء، فقال:
فإن يكن (اطربون) الروم قطعها
فقد تركت بها أوصاله قطعا
وإن يكن (اطربون) الروم قطعها
فإن فيها بحمد الله منتفعا
بنانتين، وجذموراً، أقيم بها
صدر الفتاة إذا ما انسوا فزعا
وقد يكون فقد العين في الحرب أشد إيلاماً من فقد الأصابع، فالعين أنبل ما في الوجه وأكرم، وهي النافذة التي يطل منها الإنسان على الحياة والكون، والجارحة التي كرمها الله، فصانها بمحجر من عظم وجفن من لحم ودم وأهداب، غير أن الحرب ليس لها شرعة سوى الإيقاع والإيجاع، والقتل والسمل، والقطع والقلع، وبالاحتكام إلى هذه الشرعة نفذ سهم دقق السنان في عين شاعر، كان يخشى عليها من الكحل الناعم، ففقأها على صدره، كأنها عنبة رطبة، خرج لبابها، من إهابها، فحزن على قوتها، وبكاها بأختها، فقال: أهوى لها مشقص حشر فشبرقها وكنت أدعو قذاها الأثمد القردا وإذا كان رثاء اليد والعين مغموساً في الذعر والضر، فإن رثاء بعض الأعضاء جاء مشفوعاً بكثير من السخر، وتبدّى كأنه مزيج من تألم وتهكم. ومن ألطف هذا النمط ما رثى به رؤبة بن العجاج شعره، إذ جعل رأسه الأصلع صخرة جرداء جدباء، امتد قحطها الأملس في الجبين إلى القفا، حتى صارت جمجمته كلها جبهة مدورة مكورة، يراها الرائي من الأمام والوراء على السواء، ويرى أجنحة الموت ترفرف حولها من كل جانب:
قد ترك الدهر صفاتي صفصفا
فصار رأسي جبهة إلى القفا
كأنه قد كان ربعاً، فعفا
يمسي ويضحي للمنايا هدفا
وألطف من هذا الرثاء وأظرف بكاء يزيد من الطثرية على شعره المرسل، بدع أن أئتمر به أخوه ثور، وألب عليه السلطان حتى أمر بحلق لمته، فأهوى عليها ثور بشفرة معقوفة، غير مشفق عليه، ولا مترفق به، وخرج باللمة إلى قومه الشامتين، فإذا هي شلال من حرير نضير، وإضا رأسه الحليق أرض يباب، كانت مربأ لغراب، يبسط عليها جناحيه الأسودين، فلما طار الغراب الأسود، بدت قرعة الشاعر البيضاء كأنها صخرة ملساء:
أقول لثور، وهو يحلق لمتي
بعقفاء مردود عليها نصابها
ترفق بها يا ثور، ليس ثوابها
بهذا، ولكن عند ربي ثوابها
فجاء بها ثور ترف، كأنها
سلاسل برق لينها وانسكابها
ورحت برأس كالصخيرة أشرفت
عليها عقاب، ثم طارت عقابها
ومع تطور الثقافة العربية، وبعد تأثرها بمنطق اليونان وفلسفتهم تطور هذا الضرب من الرثاء، وأخذ يميل عن الحس إلى التجريد، وعن البكاء على عضو بتر، أو حاسة عطلها المرض، أو جارحة أصابتها عاهة إلى رصد الوهن الذي يعرو الجسد كله، وإلى تصوير هذا الوهن في إطار الاعتبار، والوقوف الخاشع على عتبة الدار الآخرة، وعقد المفارقات بين الثابت والمتحول، والحي والميت، والخروج من هذه المفارقات بيقين لا يعروه التخمين، وهو أن الغناء أثبت الحقائق في هذه الدار الفانية، وأن العلق بالحياة وهم خادع، يخادع به الأحياء أنفسهم. وأبرع من برع في هذا النمط من الرثاء الشاعر العابث الماجن أبو نواس، وكانت برعاته تعبيراً عن السأم من الشهوات التي انغمس في أوضارها، وعن التوبة من الآثام التي ناء بأوزارها، أو هو تحليل للهرم الذي يصيب أجهزة الجسد، ويدمر أوصاله تدميراً بطيئاً، فينتزعه من صخب الحياة، ويلزمه الكمون والسكون المفضيين إلى الموت، قال أبو نواس:
يموت مني كل يوم شيء
والجسم مني ثابت وحي
والمعول الذي يهدم أركان الإنسان هدماً بطيئاً من الداخل هو المرض الذي ينشر الفساد في الأجساد، فيفني منها ما يفني، ويبقي منها ما يبقي، فإذا السقيم حشو السليم، والميت طي الحي، وإذا الشاعر المدرك لما آل إليه حاله رجلان: باك ومبكي، وراث ومرثي. فالعامل يبكي العاطل، والماثل يشيع الأقل، وإذا الإنسان إلى نقص دائم:
دب فيّ السقام سفلاً وعلوا
وأراني أموت عضواً فعضوا
ليس من ساعة مضت بيَ إلا
نقصتني بمرها بي جزوا
وهذا الموت المنجم يبلغ مداه في شعر أبي نواس حينما يتصور أنه ميت، تخرم الدهر أكثره، ولم يبق منه إلا برقع حي، يخفي وراءه الفناء، ويخدع به الأحياء ليضموه إلى صفوفهم، ويتقبلوه بينهم، أما الحقيقة المرة التي لا يدركها أحد كما يدركها حاملها فهي أن أكثره مات ودفن، وأن القبر الذي ضم ما مات منه هو هيكله البشري المحتفظ بقشرة الحياة. على هذا النحو يتصور الشاعر الكهولة مقبرة للشباب، والشيخوخة مقبرة للكهولة وللشباب متعاقبة، قبل أن يواريه الضريح الأخير، وهو القبر الحجري للجسم البشري، والتراب الذي يكتنف الإهاب. أما القبر الحقيقي فهو الجسد نفسه الذي يتداعى بعضه على بعض، وتتهاوى أنقاضه على أبعاضه، فيتفانى قبل أن يعلن الناس فناءه، ويتدافن قبل أن يدفنه الأحياء:
أراني مع الأحياء حياً وأكثري
على الدهر ميت، قد تخرمه الدهر
فما لم يمت مني بما مات ناهش
فبعضي لبعضي دون قبل البلي قبر
فبعضي لبعضي دون قبر البلى قبر.. ولولا الأمل الذي يزرعه الإيمان في قلب الإنسان لكان له في كل قلامة يقصها من أظفره ميتة، وفي كل خلية تشيخ مدفن، وفي كل يوم يحياه مأتم.