بعيداً عن القضايا السياسية الكبيرة التي تشغل أغلب وسائل الإعلام العالمية اهتمت صحيفة (ميل أند جارديان) الجنوب إفريقية بقضية تمثل أهمية كبيرة بالنسبة للقارة الإفريقية على وجه التحديد وبالنسبة للمناطق الفقيرة في العديد من دول العالم الثالث بشكل عام وهي قضية مكافحة مرض الملاريا وهو من الأمراض التي تقتل أعداداً كبيرة من البشر وخصوصاً في القارة الإفريقية. استهلت الصحيفة الجنوب إفريقية حديثها بتعريف أصل تسمية الملاريا حيث ذكرت أن كلمة مال أريا هي كلمة إيطالية وتعني باللغة العربية (الهواء الفاسد) حيث كان الاعتقاد السائد في ذلك الوقت أن المرض ينتشر نتيجة الهواء الفساد. وبعد عشرات السنين اكتشف العلماء أن البعوض وليس الهواء هو الذي ينقل الميكروب المسبب لهذا المرض المميت. ورغم أن العلماء لم يألو جهداً من أجل التوصل إلى العلاج الفعال لهذا المرض المعدي فإن الظروف الاقتصادية للدول الإفريقية والدول الفقيرة عموماً جعلتها بعيدة عما حققه العلم من إنجازات فلم يجد المرضى البؤساء السبيل إلى العلاج الفعال. ونقلت الصحيفة عن بيري دورهيل رئيس قسم الطب الحيوي في معهد لويس باستير الفرنسي للدراسات الطبية قوله: (نحتاج إلى تأكيد حقيقة أن الموقف الراهن بالنسبة للمرض المميت سيء جداً). فأعداد ضحايا هذا المرض سواء الذين يموتون أو يصابون بالعدوى يتزايد. وأشارت إلى أن المشكلة التي تواجه أبحاث هذا المرض أن شركات الدواء العالمية لا تعطيه اهتماما كبيرا خاصة أنه من الأمراض التي تنتشر في الدول الفقيرة وبين الفئات الأشد فقراً فيها وهو ما يجعلها سوق غير مغرٍ. والحقيقة أن النموذج الاقتصادي لصناعة الدواء العالمية أصبحت تشكل بالفعل عقبة خطيرة أمام تطور أدوية فعالة للكثير من الأمراض وبخاصة في الدول الفقيرة. فالشركة التي انتجت عقار الفياجرا الذي يستخدم كمنشط جنسي في المقام الأول حققت من ورائه ومازالت تحقق أرباحا طائلة. ويرى العلماء أن الأمر يحتاج إلى عشر سنوات على الأقل قبل أن يتاح مصل فعال مضاد للملاريا في الأسواق العالمية. ونقلت صحيفة (ميل أند جارديان) عن العالم الفرنسي دورهيل تحذيره من أن السنوات العشر المقبلة يمكن أن تكون كارثية بالنسبة للدول الإفريقية الفقيرة بسبب وباء الملاريا. وأشار إلى المؤتمر العلمي الذي استضافته العاصمة الكاميرونية ياوندي وضم المئات من المتخصصين في مرض الملاريا من مختلف أنحاء العالم، حيث قال: إن الصورة تبدو مظلمة للغاية بالنسبة للمستقبل القريب. وتقول الصحيفة: إن المؤتمر شهد وجود تيارين بالنسبة الموقف الراهن في إفريقيا حيث أبدى بعض الخبراء تفاؤلهم الحذر بشأن المستقبل في ظل محاولات التوصل إلى عقاقير فعالة للمرض في حين أكد آخرون أن الأنباء ليست سارة بالنسبة لقارة إفريقيا التي تمكن منها المرض حاليا بصورة مخيفة. وأشارت الصحيفة إلى أن وباء الملاريا واستمرار تساقط ضحاياه في الدول الإفريقية الفقيرة يشكل تحديا خطيرا للمجتمع الدولي ويكشف عن الوجه القبيح للشركات العالمية. فرغم أن العالم كله يدرك أن أسهل وسيلة للوقاية من هذا المرض وبخاصة بين الأطفال الذين يشكلون الجزء الأكبر من ضحاياه هو حمايتهم من التعرض للدغات البعوض من خلال (الناموسية) أو الشبكة الشفافة التي توضع على الأسرّة. فعلى الرغم من أن أسعار هذه الشبكات زهيدة نسبيا فإن أغلب الأفارقة لا يتحملون ثمنها ولذلك توقفت أغلب الشركات عن انتاجها. ويؤكد العالم البريطاني بريان جرينوود أحد الباحثين في مدرسة لندن لطب المناطق الحارة أن جهود مكافحة الملاريا حاليا تواجه أزمة حقيقية بسبب نقص الإمكانات المتاحة في الدول الفقيرة وتخلي الدول الغنية عن مساندة تلك الجهود. وأشار إلى أنه من بين الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة ظهور جيل جديد من ميكروب الملاريا قادر على مقاومة بعض الأدوية الرخيصة نسبيا التي تستخدم لعلاج المرض في الوقت الذي توقفت فيه شركات الدواء العالمية عن تطوير عقاقير جديدة لاعتبارات اقتصادية بحتة.
|