وظفت هند بنت عتبة جزءاً كبيراً من شعرها في رثاء والدها وأخيها الذي جاء جزلاً، قوياً، عميقاً بجودة لفظ، وتعدّد صور، مما جعل منها من أبرز شاعرات العهد الإسلامي، ويرى البعض أنها تقترب من الخنساء في كثير من خصائص شعرها. فمما قالت في رثاء أبيها:
أعينيّ جودا بدمع تسربِ على خير خِنَدق لم ينقلب تداعى له رهطه غدوة بنو هاشم وبنو المطلب يذيقونه حدَّ أسيافهم يعلونه بعد ما قد عَطِب يجرّونه وعفير التراب على وجهه عارياً قد سلب وكان لنا جبلاً راسياً جميل المراح كثير العشب وأما بري فلم أعنه فأوتي من خير ما يحتسب |
وتقول:
يا عين بكي عتبة شيخاً شديد الرقبه يطعم يوم المسغبه يدفع يوم المغلبه إني عليه حربه ملهوفة مستلبه |
ولم يكن ليشفي جرح هند إلا الانتقام، ولذلك فقد كانت من ضمن من حرَّض رجال قريش لرد هزيمة بدر، فهي التي تقول:
لنهبطن بثربه بغارة منثعبه فيها الخيول مقربه كل جواد سلهبه |
وعندما استعد رجال مكة لمعركة أحد خرجت مع الجيش، وكان حضورها في أرض المعركة فاعلاً، متقدة حماساً، ودفعاً لهمم المقاتلين من المشركين معتلية هي ومجموعة من النساء جبل أحد، تحرِّض بشعرها وقولها، وقد رويت قصتها في معركة أحد في مصادر التاريخ وقد ورد في إحداها ما نصه: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرض سيفاً فقال: (من يأخذه بحقه وقال: أن لا تقتل به مسلماً، ولا تضر به من كافر) فأخذه أبو دجانة سماك بن فرشة الصحابي، وكان قد أعلم رأسه بعصابة وجعل لا يرتفع له شيء إلا هتكه وأفراه، حتى انتهى إلى نسوة في سطح جبل، معهن دفوف لهن) وفيهن امرأة تقول:
نحن بنات طارق نمشي على النمارق والمسك في المفارق مشي القطا النواتق |
فأهوى أبو دجانة إلى المرأة بسيفه ليضربها، ثم كفَّ عنها لأنه قال:(أكرمت سيف رسول الله من أن يقتل به امرأة، وكانت هذه المرأة هند بنت عتبة). وفعلت هند فعلتها المشؤومة بحمزة بن عبد المطلب وقصتها معروفة في ذلك، ثم اعتلت صخرة مشرفة على جبل أحد ونادت بأعلى صوتها:
نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان عن عتبة لي من صبر ولا أخي وعمه وبكري شفيت نفسي وقضيت نذري شفيت وحشيّ غليل صدري فشكر وحشيّ عليَّ عمري حتى ترم أعظمي في قبري |
وفي فتح مكة أسلمت هند، وبايعت الرسول الكريم مع مجموعة من النساء، وقالت: (والله ما كان على الأرض أهل خباء أحبَّ إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك، ولقد أصبحت وما على الأرض أهل خباء أحب إليَّ أن يعزوا من أهل خبائك). وعاشت هند إلى خلافة عمر بن الخطاب، وتولَّى ابنها معاوية الشام في خلافة عمر فقالت له: (والله يا بني إنه لقل ما ولدت حرة مثلك) وأمرته بأداء واجبه. وشهدت هند معركة اليرموك، وتوفيت في سنة ثلاث عشرة للهجرة بعد حياة امتزج فيها العناء بالصبر والحزن بالفخر، والدلال بالضيق، والأهم بلوغ الهدف لأنها كما وصفت: (شخصية متينة، عالية الهمة، لا تؤمن بمبدأ ما لم تتيقن وتصدق، وتثق، وتقنع به.. كانت ذات عقل ثابت وذكاء حاد).
|