Friday 2nd December,200512118العددالجمعة 30 ,شوال 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

أفكار في الهندسة الاجتماعية (2) أفكار في الهندسة الاجتماعية (2)
العرب كمجتمعٍ.. حيناً يَزدادُ ذكاؤهم الجمعي.. وحيناً ينقصُ!
د.عبدالله البريدي (*)

من شأن المجتمع الأكثر ذكاءً أنه يمارس - بشكل منتظم - (هندسة اجتماعية ذكية)؛ تتجسد بقيام مفكريه وعلمائه وباحثيه بأدوار تكاملية خمسة هي: دور المشّخص، ودور المهندس، ودور الباني، ودور الحامي، ودور المبدع، بشرط أن تتم تلك الهندسةُ في إطارٍ يحكمه المشروع الحضاري للمجتمع بثوابته ومنطلقاته ومفرداته. والمجتمع الأكثر ذكاءً لا يكتفي باستخدامٍ فعالٍ لأدوات التفكير والتنفيذ الموجودة في خزانة الفكر والممارسة، بل يبتكر أدوات جديدة تمكّنه من تحقيق أهدافه والتكيف والتكييف للمتغيرات الطارئة، مع الاحتفاظ والاعتزاز بمنظومته القيمية والأخلاقية.
المجتمعاتُ.. يتأرجحُ معدلُ ذكائِها!
إن الحقائق التاريخية والسجل الحضاري المعاش يشهد بأن ثمة مجتمعات كانت قليلة الذكاء استطاعت بكثير من (الجهد الثقافي) أن تزيد من ذكائها والعكس صحيح تماماً... إذ إنه ليس قدراً محتوماً على أحد من المجتمعات البشرية أن يجرجر ذكاءه المحدود أو يحتج بالقدر أو بسوء الطالع والبخت! إذن يسع أي مجتمع أن يخطط ليكون مجتمعاً أكثر ذكاءً... وهذه حقيقة تبعث على التفاؤل الجميل الذي ينتج وقوداً لا ينفد وفكراً لا يمل وعقلاً لا يكل، حينها تنبعث أسئلة النهضة وتتخلق أفكار التقدم، تخطيطاً وتنفيذاً، إبداعاً وتطبيقاً.
وأحسب أن استعراضاً لبعض النماذج التاريخية - وإن كان بانورامياً - سيكون مفيداً، بل ومطلوباً منهجياً؛ لتأسيس قاعدة من الأدلة والبراهين تدعم أطروحة زيادة ونقصان الذكاء الاجتماعي، وإنه لمن العسير جداً إخضاع نماذج تاريخية موغلة في القدم لتحليل تفصيلي في ضوء الأدوار الخمسة للهندسة الاجتماعية نظراً لعدم امتلاكنا لمعلومات تفصيلية عنها، أي أننا لا نستطيع أن نحلل عملية الذكاء الاجتماعي، ولكننا نستطيع تحليل نتائج تلك العملية التي تتمثل في تحقيق مستويات عالية من التحضر والاستقرار السياسي والاجتماعي في ضوء منظومة المجتمع الثقافية وإطاره القيمي ومزاجه الخاص، أي أن نتائج وثمرات الهندسة الاجتماعية نستخدمها كمحكّات قياس. وكنموذج تطبيقي سنعرض بعض المحطات التاريخية للمجتمع العربي في هذا المقال، على أن نستعرض بعض المنعطفات في مسار المجتمع الكوري في حلقة قادمة.
العربُ كنموذجٍ لذكاءٍ جمعي يتألق ويخبو!
شهد العرب في تاريخهم الطويل تمدداً وانكماشاً في سلم التحضر والتمدن، كما أن ذكاءهم الاجتماعي كأن يتأرجح بين زيادة ونقصان، فالتاريخ يطلعنا على أن العرب في اليمن (مملكة سبأ مثلاً) كان لهم قدر كبير من التحضر والتمدن فبرعوا في الزراعة وبناء السدود (كسد مأرب)، تلك السدود التي أذهلت علماء الآثار، فأجمعوا على أنها من أروع الآثار الهندسية حيث يقرر البعض بأنها أول خزان مائي شيد بجهد جماعي كبير، وبطريقة هندسية بالغة الذكاء (للمزيد انظر مثلاً: التاريخ الإسلامي العام، على إبراهيم حسن)، كما بنى العرب المدن والقصور والمعابد وتفننوا في إجادة بعض الصناعات، فكانوا يصدرون العطور والمنسوجات القطنية، كما تميزوا في التجارة وإدارة الملاحة حيث كانت تمر سلع وبضائع الهند وبلاد الشرق الأقصى عبر الموانئ في المحيط الهندي، وقد كان ذلك لهم حتى القرن الأول قبل الميلاد.
ولقد أجاد العرب الذين جاءوا بعد مملكة سبأ في بناء القصور التي منها (قصر غمدان) والذي وصفه الهمداني بقوله: (إنه أول قصور اليمن وأعجبها ذكراً وأبعدها صيتاً، وكان عشرين سقفاً غرفها بعضها على بعض (انظر:الهمداني، الإكليل، ج 8، ص15، وياقوت في معجم البلدان يقول: إنه كان سبعة سقوف).
وجاء عرب آخرون استطاعوا أن يبنوا لهم دولاً منيعة ك (الأنباط) في الجنوب الشرقي من فلسطين، و(تدمر) في شمالي بادية الشام، ثم دارت الحياة وتقلب العرب في منعطفاتها إلى أن فقدوا كثيراً من أراضيهم بعد أن سيطر الأحباش والفرس على أجزاء منها، ثم جعل المجتمع العربي يفقد ذكاءه الاجتماعي شيئاً فشيئاً إلى أن أصبح مجتمعاً غير ُمهاب ولا ُمحترم، واستمر بهم ذلك الحال إلى انبثاق رسالة الإسلام الخالدة، حيث لم يكن العرب شيئا مذكوراً آنذاك، بل كان مجتمعاً قليل الذكاء (الذكاء الجمعي الذي أشرنا إليه)، على الرغم من وجود عدد ليس بالقليل من الحكماء والشعراء وأهل الرأي والتجربة والحنكة، وفيهم من كان ينفذ خارج إطاره الثقافي المحلي المحدود، ليصل إلى (بلاد) بل (ثقافة) الهنود والأحباش والفرس والروم، وكطبيعة الثقافة دائماً التي لا تتخلف عبر الزمان والمكان، تأبى الثقافة أن ينجفل الناس راجعين إلى أهلهم ببضاعتهم وأمتعتهم دون أن تتسرب أطياف منها - وبكل خفاء وخفة - إلى (رؤوس القوم) بل وتنعكس في عاداتهم وألبستهم!
والعرب آنذاك... كانوا يتوفرون على قيم راقية وأخلاق أصلية كالصدق والكرم والشجاعة والإرادة وطلب الحرية والنخوة والأنفة، عرفوا بها وتألقوا مع من يعرفون ومن لا يعرفون، والتزموا بها وتأنقوا مع كل صديقٍ ومعادٍ، إلا أنه كانت فيهم - أي العرب - عقائد باطلة وقيم معطوبة وأخلاق مرذولة، وحياتهم العامة كانت تميل إلى بؤس وشقاء وسلب ونهب وحروب ظالمة يسحقُ فيه القوي كل من يستضعفه حتى ولو كان من بني جلدته، وكثيراً ما تعميهم العصبية القبلية وثقافة الثأر فيستهويهم سفك الدم وإطالة أمد الحروب ولو أزهقت أرواح الألوف، وكان بعض العرب يحتقرون الصناعة، ويستعيبون الزراعة والتجارة ويعيشون على ما تنتجه ماشيتهم. وقد كان الواحد منهم يصنع صنماً من تمر فيتسمّر خاشعاً متذللاً له طوال نهاره، فإذا مسه الجوع في الليل انقض عليه ليسد به جوعته بعد أن يتأكد أنه ليس ثمة أحد يطالعه (فيعيبه) الدهر كله... غير مكترث بما اجترحه من شرك، ولا مبالٍ بما اقترفه من جريمة في حق مبدع الكون وخالق الأرض والسماء! وفي بعض تلك المعاني يقول جعفر بن أبي طالب للنجاشي: (أيها الملك! كنّا قوماً أهلَ جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منا الضعيفَ) (انظر سيرة ابن هشام). فالعرب كمجتمعٍ، كان إذن مجتمعاً قليلَ الذكاءِ في تلك الحقبة التاريخية، إذ لم يكن قادراً البتة على بلورة أهداف مشتركة يؤمن بها الجميع؛ تلك الأهداف التي تعلي من شأن الحق والعدالة والكرامة والوحدة والعلم والإبداع، بل كان مجتمعاً تنطفئ في وجدانه (شعلة التحدي) وتنتحر في عقله (روح التحضر)، ولم يسعفه البتة أنه كان يتوفر على عشرات من الحكماء والنبهاء والأذكياء، إذ القضية ليست ذكاء أفراد بل ذكاء مجتمع!. وبعد انبثاق تباشير الرسالة الخاتمة - على صاحبها أفضل الصلوات وأتم التسليم - ، عمد الإسلام إلى ربط العرب بالخالق العظيم، فصحّت عقائدهم، وشفّت أرواحهم، وتنوّرت بصائرهم، وتعمّقت أفكارهم؛ فسمت أهدافهم، وجادت خططهم؛ فانتظمت بعد ذلك أمورهم، وتماسك بنيانهم الاجتماعي، وبني كيانهم السياسي.
لقد تسبّب الإسلام في زيادة فعالية المجتمع العربي في استخدام أدوات التفكير الجيدة، ليس ذلك فحسب، بل وفي زيادة قدرتهم على ابتكار أدوات جديدة تناسب الأهداف والتطلعات الجديدة للمجتمع، وترتب على ذلك رفع الإسلام ل (سقف التحدي) في نفوس العرب ليكون (تحدياً حضارياً)؛ تحدياً يتغذّى على الوقود المتفجر من عقيدة الإسلام ورسالته وقيمه، وهنا نستطيع تشبيه المجتمع العربي الجديد بنبتة جديدة انشقت عنها تربة عالمهم الثقافي والسياسي آنذاك، فرَمقوا وُرمِقوا، واسَتعدوا فاستُعِد لهم، وحمَلوا همَّ اللحاق والتقدم على غيرهم فحمَل الآخرون همَّ الإدراك والتأخر!
إذن يمكننا القول: إن المجتمع العربي قد ازداد ذكاؤه الجمعي بشكل لافت للنظر بعد إشراقة أنوار الإسلام، حيث جعل المجتمع العربي المسلم يمارس وبشكل رائع أدوار الهندسة الاجتماعية: أدوار المشخّص، والمهندس، والباني، والحامي، والمبدع، ولكي نزيد الأمر وضوحاً يحسن بنا تحليل أداء المجتمع الأقل ذكاءً في ممارسته لأدوار الهندسة الاجتماعية، مع إثبات بعض المقارنات مع المجتمع الأكثر ذكاءً، حتى يتبين لنا شيء من الفرق الهائل بين تلك المجتمعات في ممارسة الهندسة الاجتماعية والظفر بثمراتها.
يتسم المجتمع الأقل ذكاءً بمحدودية وسطحية التشخيص الذي يقوم به في مختلف الميادين، أي أن ذلك المجتمع يعاني من (مرض التشخيص)، بل قد (يموت التشخيص) داخلَه ويدفنُ في مقابر (التفوق الأبله) و(التميز المتوهم)، فعلامَ إذن يكون التشخيصُ! وهنا نتذكر كيف كان المجتمعُ العربي قبل الإسلام يبالغ في التغني بأمجاد مضخّمة والافتخار بعادات سيئة منحطّة، بل كان لا يعترف بالخطأ ولا بالعيب ولا بالخطيئة ولا بالنقيصة التي قد تختص بها الأنا دون غيرها، وهنا نذكر طرفاً من المناظرة الشهيرة الماتعة التي حدثت بين النعمان بن المنذر وكسرى (في أوائل القرن السابع، انظر: العقد الفريد لابن عبد ربه)، حيث أعاب كسرى على العرب أموراً كثيرة؛ منها: أنهم (يقتلون أولادهم من الفاقة)، فرد النعمانُ بقولٍ يؤكد على (موت التشخيص) لديهم حيث قال: (وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث؛ أنفةً من العار وغيرةً من الأزواج)، فالأنفة والغيرة المتوهمة تبرران جريمة القتل!، إذن يمكننا التقرير بأن المجتمع الأقل ذكاءً قد يجري- أحياناً - (تشخيصاً) على بعض مسارات الحياة، ولكن أي إطار يحكم ذلك التشخيص وأي منهجية تضبط اتجاهه وتحدّد معاييره وخطواته!، وهذا بخلاف المجتمع الأكثر ذكاء، حيث يكون منشغلاً دائماً بتشخيص منهجي وشامل وذكي وشفاف؛ تشخيص لا يفتر، ولا يترك شاردة ولا واردة من الإيجابيات والمزايا والفرص والسلبيات والنقائص والمخاطر إلا أدخلها في حساباته ومعادلاته، نظراً لامتلاء عقل المجتمع بالأفكار والرؤى، وفيضان وجدانه بالطموح والإرادة، واتساع ذاكرته للتجارب الإنسانية الأذكى والأنسب لمنظومته الثقافية والقيمية.
أما (الهندسة أو التخطيط) فهي محدودة للغاية لدى المجتمع الأقل ذكاء، بل قد لا يمارس ذلك المجتمع أي لون من الهندسة أو التخطيط؛ مكتفياً بما يقوم به بعض أفراد المجتمع من (هندسات) أو خطط متفرقة ومتشتتة، وفوق ذلك ودونه أنها مطبوعةُ بألوان المصالح الشخصية والأنانية المفرطة، متسمة بنظرات سطحية تجزيئية آنية، مهمّشة لأبناء الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة، منحازةُ لأذواق (علية القوم) وأفكار (الوجهاء) وآراء (البلغاء)!، ليس ذلك فقط بل إن المجتمع الأقل ذكاءً يتيحُ فضاءً واسعاًً (لحرية غبية)، حيث يسمح لأفراد المجتمع - وبالذات الأقوياء منهم والأغنياء - أن ينتجوا ما شاءوا من العادات والاتجاهات دون رقيب أو حسيب، تاركين لتلك العادات والاتجاهات أن تشكّل المجتمع!
أما (البناء) في المجتمع الأقل ذكاء فيتأثر كثيراً بغباء التشخيص وضعفه وبلادة الهندسة وجمودها، مما يجعل البناء مشوهاً، وعلى هذا يكون البناء في ذلك المجتمع كمخططات البيوت العشوائية أو العشوائيات، فكل يبني على مزاجه ورغباته وبأدواته وأشيائه، فلا تسل عن الفوضى والتخبط والعراك والجهل، كما لا يمارس المجتمع أي تشخيص لكثير من الأمراض التي تفتك في أبناء المجتمع، نظراً لافتقاد ذلك المجتمع ل (فضيلة المعاناة) من (حمى التخلف)، فلا يحس بعلامات المرض من ارتفاع درجة الحرارة واحمرار الجلد، والمرض العضال يفتك بالجسد، خليةً خليةً، وعضواً عضواً!
ولم يبق من أدوار الهندسة الاجتماعية سوى أدوار (الحماية) و(الإبداع)، فأما (الحماية)، فأي شيء ُيحمى في المجتمع الأقل ذكاءً؟ أو يستحق ذلك البناء أي حمايةٍ؟، بل نطيق أن نذهب أبعد من هذا لنقرر بأن الحماية لا تنعدم فائدتها في ذلك المجتمع فحسب، بل قد تكون مضرّةً ومخدّرةً، حيث تنقلب تلك الحمايةُ إلى أداة (عزل ثقافية)، وبذلك تضعف قدرة المجتمعِ على اكتشاف جذور التخلف، وفضحِ مواطن الفساد، ومحاسبةِ أعيان المفسدين، وأما الإبداع فمكبوت مرذول مخذول، وكيف يشجّعُ المجتمعُ على الإبداع ويحرضُ عليه، وهو يشعرُ بكمالهِ وعظمتهِ، وهنا نمسكُ بخيطٍ رفيع ٍ؛ يجعلنا نربطُ مشهدَ النهايةِ بمشهدِ البدايةِ، وأعني ربطَ الإبداعِ بالتشخيصِ، ويمكننا سبك هذا المعنى بقاعدة مختصرة مفادها: تضمرُ شجرةُ الإبداعِ بموتِ عروقِ التشخيصِ الذكيِ أو انسدادِها!!
وثمة لطائف وتلميحات أُخر تستحق الإثبات والتنويه في معرض تحليلنا السابق للهندسة الاجتماعية للمجتمع العربي خصوصاً وللمجتمعات الإنسانية عموماً، إلا أن المقام لا يتيح لنا التوسع في طرحها، مما يجعلنا نرجئها إلى حلقات قادمة، بعون الله وتوفيقه.

(*) كاتب وأكاديمي سعودي

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved