Wednesday 14th December,200512130العددالاربعاء 12 ,ذو القعدة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

بين التنوير والتزوير بين التنوير والتزوير
إبراهيم بن عبدالرحمن التركي(*)

(1)
** شاءها (الرافعي) نجمةً تغمُر الأفق بأشعة الخيال فكانت -كما كتب في (رسائل الأحزان) - شاعرةً تملأ السماء فلا تكاد ترى فيها الأرض، وتأوه (العقّاد) من (الترابِ) الذي ضمّ رُفاتها و(جمال قُدسي لا يباب... كل هذا في التراب.. آه من هذا التراب..)
(2)
** بين الأرض والسماء مسافةُ التقديس والتدنيس، وقدرُ (مي) - مثلما صوّرها عاشقاها العملاقان - أن كانت (أنثى) تجاوزَ فيها الرجال رزانة العقل إلى اندفاع العاطفة فكان جمالُها منطق الرؤية ومنطلق الإعجاب..!
** لم يكونا وحدَهما فطه حسين ولطفي السيد وإسماعيل صبري ومصطفى عبد الرازق ومنصور فهمي وفؤاد صروف وشبلي شميل وأنطون الجميل وخليل مطران وغَيرهم اصطفُّوا ضمن طابور المتنافسين على رؤية الآنسة الجميلة التي لم تر أحداً فيهم، ورأت (جبران) الذي شُغل بسواها، وانتهتْ في (العصفورية)، بعدما صَدئَ البريقُ وانفضّ الرفيق..!
** ستظلُّ (مي) مادةً مهمةً لقراءة المرأةِ في نظر الرجل والرجل في تطلع المرأة، وسيبقى الخلاف ممتداً حول النسبِ المئويّة التي تُؤِّثر في التكوين والحضور الثقافيين، مما تفترق فيه واو الجماعة عن نون النسوة.. وبينما يصعب على (المذكّر) البقاء في دائرة الأضواء ما لم يحظ بمميّزات وامتيازات فإن في وسع (المؤنث) أن تخترق دوائرَ الفعل الثقافي والاجتماعي متى قررت التفاعل بالأجواء والانفعال مع الأصداء..!
** وعلى رغم أن الفكرة السائدة تتجه إلى سيادة الرجل (بوصفه النّسقي الفَحْلي) إلا أن الواقع يؤكِّد أن المرأة تقود الحراك العام حين تختارُ الدوائر التي يُتاح فيها اختراقُ (التابو) الثقافيِّ والمجتمعي، وإن بقي دورُها مؤطراً بحدودٍ زمانيةٍ لا تتجاوزُ فيها مرحلة مؤقتة.. فمشكلة المرأةِ أن عمرها الخارجي المؤثِّر محدود، بينما يبقى دورها الداخلي (الأُسْري) شبه ممدود..!
(3)
** لم يكن (مثلما لم يعد) تأثير نوال السعداوي فاعلاً إذْ لم توهب الجمال بدءاً وأصبحت من القواعد منتهى، كما لا يمكن أن يمتد الاحتفاء ب(فاطمة المرنيسي) حيثُ لم تُرزق كثيراً من الوضاءة وغادرها الصِّبا.. ولا شأن لهذا بطرحهما سواء أنظرْنا إليه من زاوية الإيجاب أم السّلب، فالقضية هنا تتصلُ (بالجندرة) التي صَنّفت الناس ذكوراً وإناثاً..!
** وحين تأتي (فاطمة يوسف العلي) في مجموعتها الأخيرة (تاء مربوطة) - وهي هنا مجرد مثل - فإن الاهتمامَ بها قد دار حول كشفها المجتمع الخليجي الذي تتزوج فيه المرأةُ -حسبَ قِصصها - عشرة رجال، وتواعد الفتاةُ الفتى خارج البلاد، وتعشقُ الأختُ زوجَ أختها، ويمارس (ابن العَبْدة) ما يشاء، وتتمرد على الحجاب فتبدي زينتها كما لا تفعلُ نجمات الإغراء أو الإغواء..!
** القضيةُ هنا ليست محاكمةً أخلاقية كما يصنعُ الباكون والمتباكون؛ فالخليجُ مثل غيره، والمبدعُ هنا كالمبدع هناك، ومقاربةُ الواقعِ لا تعني الإيمان به أو الترويجَ له، ولكن روائيين وقاصين (رجالاً) تناولوا أكثر مما تناولته (السيدة العلي) فلم يعبأ بهم أحد، وإذن فهي سيادةُ المرأة حين تروي بنفسها ما وراء السُّتُر الكثيفة التي يُراد لها أن تظلّ في أعيننا وإن لم تكن كذلك في واقعنا..!
(4)
**ن نجادل حول سهولة انتشار الإبداع النسوي خلال زمنٍ محدود وحين يحتفي بموضوعاتٍ معدودة، لتبقى جرأتُه في تناول (العيب) ذات تأثير أوسع من تأثيره حين يتناولُه الرجل، وليبقى (المنادون) بمصادرة الشفافية المجتمعية خائفين من تداعي (التزوير) المجتمعي الذي يُصورنا فضائلَ تتحرك على الأرض، ولا ريب أن البنيان يتداعى لا بسبب من يكتشف الخلل بل من يتسترُ عليه..!
(5)
** قبل سنوات تزيد على العشر (والزمن هنا مهم) ضمّ صاحبَكم لقاءٌ ثنائي خاص مع أحد مسؤولي القضاء الذي أفضى إليه بمشكلاتٍ مجتمعية منتشرة تهونُ أمامَها المسكرات والمخدِّرات، وحين سأله: ولم لا تقومون بعمليات توعية مثلما فعلتم مع المخدِّرات..؟.. ولم لا تقدمون للناس أرقاماً وإحصاءات، أجاب: وماذا يقول العالم الخارجيُّ وقد نقلنا إليه صورةً فاضلة عن الإسلام الذي يحكمُ هذا المجتمع ولا يتحكم في ممارساتٍ ترفضُها كلُّ الأديان والأذواق..؟!
** تصوروا لو تحدث القاضي - وهو عالمُ دين - عما يعرف وفقَ دلالات وقوعيّةٍ لا مجال فيها لتأويل أو تعليل، أفكان سيثيرُ غُباراً حول نفسه..؟ وهل سيأتي مَنْ يتهمُه بالجناية على (المدينة اليوتوبيا).. ويُطالبه بالاعتذار أو الاعتزال.؟
**بالتأكيد.. لا.. وبالتأكيد فإننا لن نكون في حالٍ صحية أسوأَ لو سادت المجتمعَ لغةُ المكاشفة؛ فعرفنا أدواءَنا دون أن نرفعُ أصواتَنا بالتعتيم بدلاً من التقويم..!
** لقد أتاح الصمتُ المتعمد مجالاً للرواية الفاضحة أن تتولى بالإنابة فتح مشكلات المجتمع.. ربما بصورةٍ مبالغة.. حيث سُدت النوافذ دون تسرب الشمس.. وحين تجيءُ الحكاية بقلم امرأة فإن فُرصها للانتشار أكبر، وإذ تكمل الرقابةُ بمنعها فسوف تسري على خُفٍ وقدم..!
** سنقفُ كلنّا ضد الرواية إذا تجاوزت كشف المستور للعبث بالمشاعر، وإشعال النزوات، والعزف على الشهوات كما يفعل بعض الروائيين الذين يستهلكهم الوصف الحسيّ المبتذل مثل (هيفاء بيطار)، أما حين تجيءُ الرواية لقول ما لم يُقل دون أن تُسِفّ أو تسرف؛ فإن لها دوراً مهماً في مواجهة ذواتِنا بما قد نكرهُ لنبحثَ من ثّمَّ عن وسائطِ التشخيص والعلاج..!
(6)
** ثمة فرقٌ كبير بين (التزوير) و(التنوير) و(التثوير)، فمن يدل المجتمعُ على خللِه يمارسُ دوراً (تنويرياً)، ومَنْ يحاولُ خداعَه بإضفاء هالةِ السموّ والتسامي يمارس دوراً (تزويرياً)، ومن يستغلّها من الجانبين لرسم صورة مبالغة في استعداءٍ يخصُّ الكاتب أو استعلاءٍ على المجتمع فإنما يقوم بعمل (تثويري) يهدف إلى تضخيم المشكلة وتسفيه الحل..!
** وربما جاءت (روايةٌ بنات الرياض) في توقيت مناسب لنقرأ عبر ردود الفعل ما يريده التنويريون والتزويريون والتثويريون على حد سواء..!
** وتبقى فئةٌ رابعةٌ حقُّها الهامش وإن احتلت النص وهم (التبريريُّون) الهائمون الذين يرون في أعمال النساء (وبالأخص الصغيرات) فُتوحاً بيانيّةً فيبالغون في الثناء ويبلغون بهن وبأعمالهن عنان السماء، ونكتشف - بعد أمدٍ غير طويل - أن التطبيل لا ينتج سوى التضليل، وأن المبدعات انطفأن، والوهج استحال رماداً..!
** المكاشفةُ ألم لذيذ..!

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved