في حقبة من تاريخنا المعاصر، أفرطت الجهات الرسمية خلالها في ممارسة العنف، كان من الطبيعي أن يصير العنف زاد المواطن اليومي، سواء خضع هو نفسه له أم مارسه ضد غيره. وكان من الطبيعي أن نصل إلى مرحلة ينكشف فيها حجم القسر والاضطهاد والقتل، الذي مورس ضد المواطن، خاصة في دول الأيديولوجية الشمولية، التي رفعت العنف إلى مصاف مصلحة عليا للسلطة طبعت الحياة العامة بطابعه، واعتبرته أداتها لتغيير العالم وضبط أموره، وبالغت في استخدامه خلال ما أسمته بناء الحياة الجديدة، التي قامت على تدمير ما سمي المجتمع القديم، بما ضمه من بشر ومؤسسات، عبر العنف الذي اعتبر ثورياً ومباركاً. ومن يتابع حجم العنف ونصيبه من أحاديثنا وحياتنا ووعينا، سيجد أننا نكاد نخضع له بصورة شبه تامة، وأن مظاهره السلبية في بيئاتنا وعلاقاتنا لا تعد ولا تحصى، وأن مجتمعاتنا، التي تبدو من الخارج راكدة هامدة، تعاني كثيراً من نيران العنف، الرسمي أساساً، التي تعتمل داخلها، مثلما تعتمل داخلنا وفي سلوكنا، حتى إننا كثيراً ما نباغت أنفسنا ونحن نتحدث بلغة مليئة بالحقد والكراهية عن أشخاص لا نعرفهم، وننكر في أحاديثنا حق الآخرين في الحرية والحياة، لمجرد أنهم يخالفوننا الرأي أو الموقف، أو أن لهم مصالح تتعارض مع مصالحنا، حتى إننا نعتدي ببسطة على حق غيرنا في أن يكون كما يشاء، ونحبذ استعمال العنف والقسر ضده، بحجج منها أنه لا يؤمن بالديموقراطية والحرية، دون أن نلاحظ تناقض انتسابنا إليهما مع رغبتنا في فرض ما نعتقده على من يخالفوننا العقيدة أو الانتماء. ومع أننا لن نبحث هنا أسباب العنف، المتأصل في تربيتنا ووعينا وعلاقاتنا، فإننا نود التركيز على سبب رئيس من أسبابه، يتصل بالعنف الجماعي، يرجع إلى افتقار دولنا إلى فضاء داخلي مفتوح نستطيع التحرك فيه بحرية كمواطنين، دون أن نرتطم بعضنا ببعض بطرق غير سلمية، وغير عنيفة، بما أن علاقاتنا بالآخر تنظمها، ضمن هذا الفضاء، توافقات وطنية وعامة ملزمة تؤسس توازنات وأنماط من الصلات التفاعلية والتكاملية ليس لأحد من الأفراد أو الجماعات مصلحة في خرقها أو انتهاكها، لكون الحياة العامة والخاصة لا تستقيم بدونها، ولأن أنساقاً من المعايير الأخلاقية والسلوكية تنضوي فيها وتتجلى من خلالها، تجعل اللجوء إلى العنف خروجاً على قوانين وأعراف مستقرة في وعي وواقع الجماعة الوطنية، فهو تاليا فعل جرمي يستحق العقاب، وليس، ولا يمكن أن يكون، سياسة تنتهجها أحزاب أو طبقات أو حكومات أو سلطات، تنظم عبرها علاقاتها مع مجتمعها أو تخضع متحدها الوطني أو ترتب شؤونه العامة بواسطتها. عندما ينظم مجال عام من خلال عقد يقوم على الحرية والديموقراطية، يتقلص العنف كأداة سياسية، ويفقد دوره كأداة تنظيم تضع علاقة السلطة! بالمجتمع على مشارف انفجار دائم، ويجعلهما قابلين للتصدع في أي وقت، مثلما هو حال معظم دولنا العربية، التي تم تنظيم حياتها خارج أطر القانون، وخضعت لفترة طويلة جداً لأحكام عرفية وقوانين طوارئ أخضعتها لضرب معاملة استعمارية على يد حكوماتها، جعلت من المنطقي أن تختزن بدورها العنف في لا وعيها، وأن تمارسه في أول فرصة، سواء في البلدان التي عرفت الدولة منذ وقت طويل، أو تلك التي حدّثت سلطتها وخلّفت مجتمعها، لاعتقادها أن هذا هو طريق تهدئته وإبقائه ساكناً. لا عجب، في حال عربي هذه سماته، أن تؤدي انتخابات مصر إلى تفجر عنف يبدو غير مفهوم أو منتظر. ولا غرابة أن يتم العثور هنا أو هناك من أرض العرب على مقابر جماعية، أو أن ترتكب مجازر رهيبة في العراق، أو يتداول البشر قصصاً تقشعر لها الأبدان حول التعذيب والقتل العشوائي، الذي عاشته بلدان عربية كثيرة خلال العقود الخمسة الماضية. ولا مفر من أن ننظر إلى ثمار العنف بواقعية ونصدق أن ما خفي أعظم، وأن مقبلات الأيام ستكشف عن قصص وحكايات يعجز عن نسجها الخيال، تتصل جميعها بالعنف الذي مورس ضد مواطنينا على يد أجهزة رسمية وقوى معارضة لها، خاصة أننا في زمن مجد العنف واعتبره ولادة المستقبل ووسيلة المحرومين والمظلومين إلى العدل والحرية، والحاكمين إلى تحقيق ما وعدوا به شعوبهم من عيش كريم وحياة مستقرة. ومع أن العنف ليس جديداً في تاريخ العالم عامة وتاريخنا خاصة، فإن ما عرفته السنوات الخمسون الماضية منه يظهر ملامح جديدة، أنجبتها حداثة أجهزة الدولة، التي أرهبت كل شبر من أرض وطنها وكل مواطن فيه، وترتب على حداثة وسائل العنف التي استخدمتها، وكان بوسعها سماع دبيب النملة وشن حملات واسعة من الإرهاب المنظم والمستمر على قطاعات كبيرة جداً من السكان، بما في ذلك تلك التي لا ناقة لها في السياسة ولا جمل. لا عجب أن العنف الحديث صار عندنا بنيوياً، يطال المجتمع والدولة ولا يستثني أحداً من انفلاته، ويضع جميع وسائل الحكم الأخرى تحت سلطانه وفي خدمته. ترى، ألا يفسر هذا أيضاً طبيعة العنف غير الرسمي، المضاد منه للسلطة أو الموجه ضد أطراف مجتمعية، ويبين أسباب شموليته وانتشاره وقدرته على احتجاز وسائل العمل العام السلمية والحيلولة بين المجتمع وبين اعتمادها سبيلاً للمعارضة أو المقاومة أو الممانعة السلمية؟.. ثمة عنف مخيف في حياتنا، إن استمر تفاقمه وتصاعده تقلصت قدرة مجتمعاتنا ومواطنينا على الاستمرار والعيش. وثمة عنف في بلداننا المليئة بأزمات يحول هو ذاته أكثر فأكثر دون حلها، ولا يترك لأوطاننا من خيار غير الانخراط في عملية تدمير ذاتي هي آخر ما تحتاجه في سعيها لبلوغ الأمن والسلام !. لا مفر من معالجة مشكلة العنف في بلداننا، خاصة أن حدته تباغتنا كل مرة نعتقد فيها أنه بدأ يتراجع من حياتنا. ولا علاج لمشكلة العنف بغير التربية الديموقراطية من جهة، وإقامة فضاء مجتمعي مفتوح على التنوع والتعدد والحرية من جهة أخرى. بغير ذلك، سيلتهم العنف أرواحنا بعد أن التهم الكثير من أجسادنا، وقتل روح الإنسانية فينا!.
(*)كاتب سوري
|