* هونج كونج - فهد العجلان: لا أعرف إن كان اختيار هونج كونج مكاناً لانعقاد هذه القمة قد جاء مصادفة أم أن له علاقة بما تحمله هونج كونج من دلالات.. من يدرك اهمية هذا المؤتمر الوزاري السادس يدرك ان تفسيرا يتجه لهذا المنحنى قد يكون له عذر أو بعض العذر.. فحين تغلق الأبواب وتوصد امام الفرقاء وتظهر بعض الاصوات داخل الدول المتقدمة لتعترف بتراجع فاعلية المنظمة، وتلومها على العجز عن تنفيذ أجندة الدوحة بحلول عام 2005م.وحين يصبح الصوت أعلى حول فض اليد من الاتفاقات المتعددة ليتم التشبث والاهتمام المتزايد بالاتفاقات الثنائية والاقليمية تدرك ان هونج كونج المكان قد تحمل درسا للمؤتمرين.. قبل ان اغادر إلى هونج كونج أخذت أقرا في تاريخها. وقد استوقفتني عبارة قالها احد الكتاب ان هونج كونج هي رؤية استشرافية للصين حين تنفتح بشكل كامل على العالم!! هونج كونج.. هو مفصل مرن في العلاقة بين الشرق والغرب.. ووجه هونج كونج يحمل الكثير من ملامح الشرق المتصالحة مع الغرب.. ورغم أن المعضلة في اجتماع هونج كونج ليست بين الشرق والغرب بالمفهوم الدارج وانما اختلاف في المصالح بين الدول المتقدمة والنامية الا ان المصالحة بين المصالح قد تكون هونج كونج افضل وانسب مكان لولادتها.وانطلقت أمس فعاليات المؤتمر الوزاري السادس والذي يحمل على عاتقه وطأة وفشل مؤتمر سياتل ثم كانكون الماضيين.. حين استيقظت من النوم كانت سماء هونج كونج ملبدة بالغيوم وكذلك طقس العالم حيث تشهد هذه الجزيرة المفاوضات للتصالح بين المصالح.. ذهبت بالأمس إلى المركز الاعلامي لاستخراج بطاقتي الاعلاميه والتي بذل في مساعدتي على استخراجها الاستاذ مساعد العشيوي مدير عام المنظمات الدولية بوزارة التجارة جهدا كبيرا.. اثارني عند عبوري للشارع ماقاله أحد الصحفيين انه لم يكن يستطيع العبورالى الضفة الاخرى من الشارع في مؤتمر سياتل لكثرة المحتجين المستلقين في الشوارع يومها لمناهضة المنظمة!! وزاد صحفي آخر قصة المحتج الكوري الجنوبي الذي أحرق نفسه احتجاجا على سياسات منظمة التجارة العالمية!! لم أرَ مظاهر احتجاج مبالغ فيها حتى لحظة كتابتي لهذه الأوراق.. لكني على يقين ان من رايتهم في أول يوم لوصولي المصالحة بين المصالح المصالحة بين المصالح هي ما يأمله العالم اليوم، بعد ان بدأ وفي أكثر من موضع تشبث كل طرف بمصالحه، وقد كانت اهم أحد المظاهر أهمية في اجتماع (كانون) الماضي بالمكسيك نشوء كتلة جديدة تعارض (أمريكا، أوروبا، اليابان) في منظمة التجارة العالمية، وهى الكتلة التي عرفت بمجموعة الـ23، تقودها البرازيل والصين والهند، وتقول إنها تمثل أكثر من نصف سكان العالم، وبها 63% من المزارعين في العالم. وكان قد أكد (ديباك باتل) وزير التجارة في زامبيا، أن المجموعة ستتوسع لتضم 80 دولة، ورغم ان الشكوى ليست بجديدة الا أن العديد من الدول الفقيرة أتت إلى هذا المؤتمر للتأكيد على شكواها من تدفق البضائع المدعومة على أسواقها، والتي تواجه بالمقابل مشكلة حين تحاول تصدير بضائعها إلى الدول المتقدمة لتواجه بمنافسة من بضائع مدعومة.وتحسبا للفشل الذي لايريده الجميع لهذا المؤتمر.. كان قد حذر باسكال لامي مدير المنظمة الدول الفقيرة أن أي فشل في هونج كونج سيجعل الولايات المتحدة وأوروبا يدعمان صادراتهما الزراعية بشكل أكبر مما يجعل المشكلة أكثر تعقيدا.. بعض الوفود تضم عددا أكبر استيقظت عند الساعة التاسعة صباحا وكنت أشعر في داخلي بالكثير من الفخر ليقيني اني أول المستيقظين في صباح هونج كونج الوزاري.. تلك الثقة المفرطة كانت تستند إلى حقيقة ان الجلسة الافتتاحية في المؤتمر ستبدأ في الساعة الثالثة من مساء أمس!! فأجاني الاستاذ طلال العامر سكرتير معالي وزير التجارة ان معالي وزير التجارة د. هاشم يماني قد استيقظ منذ السادسة صباحا وان الفريق السعودي قد وزع الادوار بين اعضائه لكيلا يكون مقعد المملكة شاغرا في أي اجتماع.. وقد تم تقسيم الاعضاء باعتبار القضايا المطروحة للنقاش في المؤتمر.. ولأن هذه النقاشات مستمرة بطول اليوم فان مثل هذا الاعداد سيوفر على اعضاء الفريق السعودي التركيز على القضايا التخصصية اكبر.. وقد ذكر لي الدكتور يوسف السعدون وكيل وزارة الخارجية للشئون الاقتصادية ان بعض الدول المتقدمة تضم عددا كبيرا من المفاوضين. وحين سألته عن السبب؟ أخبرني ان هذه الاستراتيجية تهدف إلى استثمار اعضاء الوفد بشكل لايرهقهم فلو استمروا في المفاوضات طوال اليوم فان ذلك قد يتسبب في ارهاقهم وانخفاض فعاليتهم.. وقد سمعت الكثير عن المظاهرات التي قد تحدث في يوم الافتتاح الرسمي لاعمال المؤتمر ولذلك كنت اشعر بالقلق من اثارها.. وقد شهد ت هونج كونج بالأمس عددا من المتظاهرين الذين تحلقوا حول مكان انعقاد المؤتمر وعدد منهم رموا بانفسهم في البحيرة تعبيرا عن الاحتجاج.. وقد سمح لبعض منهم بالدخول إلى مقر المؤتمر اثناء إلقاء مدير منظمة التجارة العالمية لكلمته للتعبير عن احتجاجهم على المنظمة!! لكن الرجل ظل يكمل حديثه رغم بعض العبارات المناهضة العالية الصوت.. بدئ المؤتمر بكلمة السيد هون دونالد تسانج الرئيس التنفيذي للادارة الخاصة باقليم هونج كونج يرحب فيها بالدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية ومشاركتهم في اعمال مؤتمر هونج كونج تلاه السيد جون سي تسانغ سكرتير التجارة والصناعة والتكنولوجيا في الادارة الخاصة باقليم هونج كونج.. ثم جاءت كلمة السيد باسكال لامي مدير عام منظمة التجارة العالمية والتي بدأ فيها حديثه قائلا: ان أحد ما قد ذكر لي ان احدهم قد وصف الاجتماعات الوزارية للمنظمة بانها تنتمي للعصور الوسطى!! لا أعرف هذا القائل، لكني على ثقة انه لم يشاهد الطريقة التي نظمت بها هونج كونج هذا الاجتماع الوزاري السادس.. وأشار في حديثه إلى انه لا يملك عصا سحرية لحل القضايا وقد ذكرت ذلك سابقا.. .هذه العصا السحرية تكمن في التوحد بين امالنا وجهودنا من اجل تحقيق التقدم في المفاوضات التي يمكن اكتمال مراحلها النهائية في 2006م.كما طلب السيد لامي من الحاضرين في المؤتمر النظر بدرجة 360 درجة لماضي المنظمة وحاضرها ومستقبلها.. وقد ذكر ايضا السيد لامي في كلمته انه ورغم شهرة منظمة التجارة العالمية الا ان ميزانيتها قليلة قياسا بالمنظمات العالمية؛ فميزانية المنظمة لعام 2006 لاتتجاوز 140 مليون دولار وهي لاتمثل سوى خمس ميزانية مثل الفيفا الدولية (الاتحاد الدولي لكرة القدم).. وعشرميزانية منظمة اخرى لاداعي لذكرها كما قال لامي!!. ربما كان يعني السيد باسكال لامي منظمة حقوق الانسان هذا ما يعتقده البعض هنا في هونج كونج ممن سمعوا كلمة لامي وقد لايكون ذلك صحيحا فباسكال لامي وحده من يملك تاكيد هذا الاستنتاج أو نفيه!!.. في حديثه ايضا ذكر لامي ان صنع القرار في المنظمة امر صعب وكما يعلم الجميع ان الصعوبة تكمن من ان الجميع يملكون نفس الحق في الاتفاق والاختلاف بغض النظر عن الحجم والغني والفقر والقوة.. وأشاد انه ورغم بعض الانتقادات على المنظمه.. إلا ان طريقة اتخاذ القرارت بصورة ديمقراطية في المنظمة سمحت او خلقت الحرية للموافقة والرفض والذي لولاه ربما كان اتخاذ القرارات في المنظمة أكثر سهولة.. ثم أشار إلى اهمية ان يكون المفاوضون على قدر من الانفتاح والحوار لاتخاذ خطوات شجاعة نحو الحلول. بعد كلمة السيد لامي ألقت معالي رئيسة المجلس العمومي لمنظمة التجارة العالمية آمنة محمد كلمتها ثم تلتها كلمة السيد سوباشي بانتشباكري سكرتير عام منظمة الاونكتاد والذي القى الكلمة نيابة عن الامين العام لمنظمة الأمم المتحدة. السعودية ليست مجرد مراقب!! حين عدت إلى الفندق تشرفت بتناول كوب من القهوة مع الدكتور يوسف السعدون وكيل وزارة الخارجية للشئون الاقتصادية والذي يرأس الفريق السعودي المختص لحضور الجلسات حول قضايا الملكية الفكرية والبيئة وقد ذكر لي أن من الاشياء التي منحها الانضمام للمملكة انها اليوم تشارك كعضو كامل العضوية ويسمح لاعضاء الوفد السعودي اليوم بالدخول والمشاركة في جميع الجلسات والتي لم يكن يسمح لهم بالمشاركة فيها حين كانت صفة المملكة في المنظمة مجرد مراقب.. .وهذا الوضع سيسمح للمفاوضين السعوديين بالاطلاع بشكل اكبر على سير المفاوضات واتخاذ قرارت واضحة حولها.. في مجمل القضايا التي يناقشها مؤتمر هونج كونج توجد للمملكة اهتمامات بملفات الزراعة والنفاذ إلى اسواق السلع غير الزراعية والخدمات وقد شكلت لجان من اعضاء الوفد لحضور جميع جلسات المؤتمر.. ابتسامة أزالت التعب حين خيم المساء على هونج كونج.. وقبل ان أصعد إلى غرفتي في الفندق رايت معالي وزير التجارة د. هاشم يماني يستقل المصعد مع عدد من اعضاء الفريق السعودي التفاوضي.. استأذنته بالحديث إلى (الجزيرة) فلم أجد سوى ابتسامة راضية غسلت كل متاعب السفر والاجهاد التي اعترتني..سألت معاليه عن ما يتردد ان المملكة غير معنية بكثير من الالتزامات التي ينادى بها في هذا المؤتمر، فأجابني قائلا: صحيح أن حداثة انضمام المملكة إلى المنظمة يجعلها في وضع يختلف عن بعض الدول التي مضى زمن على انضمامها واستجدت لديها قضايا مطروحة للتفاوض.. لكن لا نريد التعويل كثيرا على ذلك فالمملكة اليوم جزء من العالم ويجب النظر إلى الامور بهذه الرؤية..سألت معالي الوزير.. إن السفير منير أكرم رئيس الفريق المعني بانضمام المملكة كان قد تحدث للجزيرة بعد التصديق على وثائق انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية قائلا: إن انضمام المملكة يمكن ان يغير توازن القوى داخل المنظمة لصالح الدول النامية.. فكيف يرى معاليه ذلك وما هو موقف المملكة من القضايا العالقة في مؤتمر هونج كونج..أجابني معالي الوزير قائلا: الحديث عن دور المملكة في منظمة التجارة العالمية لاينفصل عن الحديث عن ما قدمته المملكة وتقدمه من دور في المنظمات الدولية الاخرى وهي صورة مشرقة يشهد لها الجميع.. فالمملكة عضو فاعل وذو دور ايجابي والمتأمل لدور المملكة على جميع الأصعدة يلاحظ ثبات وتواصل الدور السعودي وهو ما ستقوم به المملكة في كل محفل وعلى كل صعيد.
|