من واقع قراءة أرقام الميزانية للعام القادم يمكن تلخيص أهم أهدافها في أربعة محاور: دعم النمو الاقتصادي، وتوفير المزيد من فرص العمل، والارتقاء بمستويات المعيشة وبخاصة لذوي الدخل المحدود، وتشجيع الاستثمار. ويتضح هذا من واقع ما خصص للإنفاق على برامج ومشروعات البنية التحتية وعلى قطاعات التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية وصناديق الإقراض المتخصصة، وفي الحقيقة فإن ميزانية العام القادم المقترحة تشكل نقلة نوعية في طبيعة الموازنات لم يشهدها الاقتصاد السعودي منذ ربع قرن تقريباً، فهي ميزانية ذات ملامح استثمارية إن في رأس المال البشري أو في رأس المال الاجتماعي أو في دعم استثمار القطاع الخاص بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد ترجمت هذه الميزانية بشكل واضح طبيعة متطلبات المرحلة القادمة من خلال الإنفاق وبسخاء على برامج التعليم العام والجامعي والتدريب ودعم برامج الابتعاث في تخصصات معينة -وإن كان استبعاد تخصصات أخرى يحتاجها المجتمع أمر بحاجة إلى تفسير- فخصصت 26% من حجم الإنفاق العام لهذا القطاع، وهو -وإن كان يستحوذ على جزء كبير من الإنفاق العام في الأعوام الماضية- إلا أنه كان إنفاقاً يوجه في معظمه للمحافظة على نفس مستوى الخدمة المقدمة، لكن العام القادم سيشهد إنشاء مؤسسات تعليمية وتدريبية جديدة وخاصة في مرحلة التعليم الجامعي، ودعم مؤسسات التعليم العالي القائمة وتمكينها من التوسع في إنشاء كليات جديدة. وكل هذا يصب في زيادة حظوظ المواطن في الحصول على فرصة العمل المناسبة وزيادة دخله وبالتالي تحسين مستوى معيشته. وبالطبع فإنه لا يمكن إغفال الآثار التنموية والثقافية والتوعوية الهائلة لوجود الجامعات في المدن الصغيرة على المناطق المحيطة بها. ولا شك أن المشاريع الكبيرة التي تحملها هذه الميزانية توفر فرصاً استثمارية مناسبة جداً للقطاع الخاص إضافة إلى توفيرها لفرص عمل للمواطنين الأمر الذي يفترض أن ينعكس إيجاباً على أداء مؤسساته ومستويات ربحيتها. وفي هذا الإطار دعمت الميزانية مؤسسات ومشروعات القطاع الخاص بشكل مباشر عن طريق زيادة مخصصات مؤسسات الإقراض ذات العلاقة، وخاصة تلك الموجهة نحو دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتي تشكل عصب القطاع الخاص. وبدا واضحاً اهتمام الميزانية بتحسين مستويات المعيشة من خلال عدة أمور؛ أولها زيادة مخصصات الرواتب ومعاشات التقاعد بسبب زيادة رواتب الموظفين ومعاشات المتقاعدين، وثانيها دعم القطاع الصحي حيث من المتوقع أن يرتفع عدد الأسرة في المستشفيات الحكومية في نهاية العام القادم بنسبة (29%)، وثالثها دعم التعليم والتدريب، يضاف إلى ذلك دعم وزيادة رأس مال صندوق التنمية العقاري وصندوق التسليف. وحاز ذوو الدخل المحدود على اهتمام خاص مستحق وذلك بزيادة الحد الأعلى لمخصصات الضمان الاجتماعي السنوية من (16200 ريال) إلى (28000 ريال)، وزيادة مخصصات الإسكان الشعبي. ولا شك أن الحاجة قائمة أمام الفوائض المالية الكبيرة والإنفاق الضخم لتعزيز الرقابة والإشراف على إنفاق المال العام لضمان تحقيق الاستخدام الأمثل لهذه الموارد وتجفيف منابع الهدر والتلاعب بكافة أشكالها. ويلاحظ على أرقام الميزانية التحفظ المبالغ فيه تقدير حجم الإيرادات للعام القادم فقد قدرت بـ390 مليار ريال في حين أن إيرادات العام الحالي بلغت 555 مليار ريال، وفي ذلك فارق كبير على الرغم من أن التوقعات تكاد تتفق على أن أسعار النفط ستبقى مرتفعة وأن الطلب عليه كذلك. لكن لعل السبب يكمن في كون أسعار النفط شديدة التقلب وبشكل لا يمكن التنبؤ به أحياناً، وفي الرغبة في تجنيب الاقتصاد ضغوطاً تضخمية لا مبرر لها عند الإعلان عن أرقام كبيرة للإيرادات، إضافة إلى كون القدرة الاستيعابية للاقتصاد غير مؤهلة للتعامل مع إيرادات بهذه الضخامة. وربما كان البناء على ما هو متيقن أو في حكمه هو الأسلم، وفي حال كانت الإيرادات أكبر مما هو مقدر فبالإمكان توجيه الفائض لتسديد جزء من الدين العام، الذي لا يزال يشكل عبئاً ثقيلاً على الحكومة والمجتمع. والميزانية وإن أولت ذوي الدخول المتدنية اهتماماً خاصاً إلا أن هذه الفئة لا تزال بحاجة إلى تصميم برامج رعاية اجتماعية تضمن لها الحصول على القدر المناسب من الاحتياجات الأساسية من التعليم والصحة والسكن والغذاء وغيرها، وربما تنوعت أساليب توفير هذه السلع والخدمات ما بين عينية ونقدية. وبعبارة أخرى، فالمجتمع بحاجة إلى إحداث نقلة نوعية في مجال برامج الرعاية الاجتماعية ونقلها من مسارها الحالي إلى مسار آخر سواء من حيث نوعيتها وكمياتها أو كيفية أساليب توفيرها لهم. وفي سياق توفير مقومات البنية التحتية، فإن مفهومها بحاجة إلى تعديل بسيط ليشمل متغيرات جديدة منها توفير أساليب ووسائل الاتصال وانتقال المعلومات الحديثة بأقل تكلفة ممكنة أو بدونها أحياناً، والاستثمار في نشر وتعميم الثقافة الإلكترونية حيث إن العالم يشهد الآن تحولاً نحو قضايا مثل التجارة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية والنقود الإلكترونية. ونشر هذه الثقافة وتعويد المجتمع على استخدامها، والتفاعل معها لا يقع مصادفة ولا هو تطور تلقائي لوضع قائم بل هو انتقال من مسار إلى آخر، وهذا يتطلب استثمارات هائلة في مجالات التدريب والتعليم وإتمام المبادلات والتجهيزات وغيرها. ويمكن إضافة خدمات أخرى إلى مفهوم البنية التحتية هي موجودة أصلاً لكنها بحاجة إلى تطوير وتحديث وتغيير في النظر إليها من كونها خدمة كمالية إلى خدمة أساسية لا بد وأن تكون متاحة للجميع، ومن هذه الخدمات خدمة البريد والتعليم الأساسي والرعاية الصحية والوقائية المناسبة.
|