Wednesday 14th December,200512130العددالاربعاء 12 ,ذو القعدة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "محليــات"

يارايارا
يا لابس الخلاخل
عبدالله بن بخيت

فيه أمْثَال شعبية لم نعد نسمعها ربما لأن الحياة الحديثة تجاوزت مفاهيمها، أو لأن الأجيال الجديدة اخترعت لها أمْثَالاً جديدة، أو أن الحياة الحديثة لم تعد في حاجة إلى ضرب الأمْثَال. على كل حال لا تصدق أن الأمْثَال التي تسمعها من الناس حقيقية دائماً. هناك أناس يجيدون تأليفها حسب الموقف.
من خلال متابعاتي وخبرتي اكتشفت أن تأليف الأمْثَال ليس صعباً.
لا بأس أن أشير إلى مختصر للقواعد الثلاث الأساسية التي تحتاجها لتأليف الأمْثَال. القاعدة الأولى: أن تنسب المَثَل إلى الشعوب. فإذا واجهك موقف ولم تجد في رأسك مَثَلاً تضرب به، يمكنك أن تؤلف مَثَلاً على الفور وتنسبه إلى الشعب الآيسلندي أو الزمبابوي أو الإكوادوري. اختر شعباً بعيداً وتثق بأن محدثك لا يعرف عنه شيئاً. لا تنسب لشعب قريب لكي لا ينفضح سرك.
القاعدة الثانية: استلهام أي شيء يعرف به ذلك الشعب. فالشعب الآيسلندي من اسمه أكيد أن الثلج جزء من ثقافته. فأي مَثَل تؤلِّفه وتنسبه للشعب الآيسلندي لزق فيه الثلج. لا تنسَ الغابات عندما تلزق مَثَلَك بأهل زمبابوي.
والقاعدة الثالثة المهمة، الله الله عليك بالسجع. فالمَثَل المسجوع أقوى من المَثَل المفلوت. طبعا هناك قواعد كثيرة أفضِّل أن أترك ذكرها لتتعلمها من خلال التجربة، فهذا المقال لا يختص بتعليم القارئ كيفية تأليف الأمْثَال، وإنما لمساعدته على تحمُّل وطأة الحياة في مدينة جدة وخاصة عند مرورك بمطار الملك عبد العزيز.
في كل مرة أزور جدة لا يطرأ على بالي سوى المَثَل الذي يقول: (يا لابس الخلاخل ترى البلا من داخل).
يعيش في جدة أكثر من ثلاثة ملايين ويزروها سنوياً أكثر من عشرة ملايين، الأمر الذي يجعلني أستغرب من أن مدينة بهذا الحجم وبهذه الكثافة السكانية لا يوجد إلا مَثَلٌ واحد ينطبق عليها.. وإذا افترضنا أن أهل جدة أنهكهم العيش فيها وحطم في داخلهم القدرة على الإبداع، فما الذي يمنع الزوار من اختراع أمْثَال جديدة تساند هذا المَثَل وتشيل عنه.
مدينة على شاكلة جدة تستاهل عشرات الأمْثَال وليس مَثَلاً واحداً. لا مجاري، لا شبكة مياه منتظمة، لا أنظمة، لا مطار، لا لا لا. لاءات جدة لا تحصى. ولا يوجد لهذا كله سوى مَثَلٌ واحد وقديم.
الشيء المحزن أن هذا المَثَل بدأ يفقد مصداقيته. يكاد يتجاوزه الزمن. ينطبق على جدة قبل أكثر من عشرين سنة. لكنه الآن بدأ يتحطم دون أي مؤشر على أن هناك مَثَلاً بديلاً. فلو درسنا مفهوم هذا المَثَل مع التطورات التي حدثت لجدة سنرى أنه لا يغطي حاجة الزوار الذين يصلون إلى جدة عبر مطار الملك عبد العزيز. هذا المَثَل مع الأسف لا يخدمهم أبداً. بل بالعكس ينسف كل المفاهيم التي يقوم عليها. فمطار الملك عبد العزيز لا يخفي شيئاً بل يفضح، لأنه يمثِّل جوهرة عيوب المدينة وواجهتها المخجلة.
عند زيارتي جدة اضطر إلى أن أطل على بعض حواري جدة الداخلية بإلحاح من الحنين للأيام القديمة. فأنتقل من جدة الملمعة المزخرفة إلى جدة الحقيقية التي تجاوزتها الأزمنة كلها. بالنسبة لي ما فيه مشكلة. لا مانع لدي أن تبقى جدة متحفاً للأيام القديمة. بعد كل زيارة أقارن بين جدة المتكومة في زيف زخارفها على البحر وبين جدة الحقيقية في حي السبيل فيطرأ على بالي المَثَل (يا لابس الخلاخل ترى البلا من داخل) أشعر بعدها بارتياح لأني أملك التعبير المناسب. لكن ما ذنب سكان جدة وزوارها الذين لا يخدمهم هذا المَثَل؟ كيف يعبرون عما يشاهدونه من تناقضات في هذه المدينة؟ السبيل الوحيد أن يتعلم كل زوار جدة كيفية تأليف الأمْثَال. فإذا لم تلهمه فوضى المدينة فدونه مطار الملك عبد العزيز أفضل محرِّض على الإبداع. مبنى متداعٍ. خدمات عند مستوى الصفر. موظفون نفوسهم في خشومهم.. الخ. وإلى أن يتوصل الناس إلى أمْثَال مناسبة أقترح على المسؤولين في جدة أن يعلقوا لوحات ضخمة عند مداخل المدينة كتب عليها (يا لابس الخلاخل ترى البلا في الداخل) ليستمر هذا المَثَل شعاراً لجدة على الرغم من أنها تجاوزته إلى الأسوأ.

فاكس: 4702164

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved