إن رغبة القيادة السعودية في الإصلاح وتوسيع المشاركة السياسية هي رغبة أكيدة صادقة، لعلمها أنهما الوسيلة لإدراك الإصلاح الحقيقي... يتضح ذلك من الورقة التي قدَّمها وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل في مهرجان الجنادرية الماضي حول موضوع (إصلاح البيت العربي) إذ يقول حول مسألة غياب المشاركة السياسية في المجتمعات العربية ما نصه: (إن غياب المشاركة السياسية الفاعلة هو المفضي إلى توالي الأزمات، وهو المؤدي إلى تعميق التّشوهات، وهو المُسبب في فقدان القدرة على مواجهة التّحديات، وبدون تطوير فعلي للمشاركة السياسية سيبقى العالم العربي يعيش في الماضي أو على هامش التاريخ، وستخسر الأجيال القادمة رهان المشاركة في صنع المستقبل).. كما يؤكد على رغبة الإصلاح كشعار لحملة الانتخابات البلدية إذ يقول: (شارك في صناعة القرار). إن ما يعانيه المواطن السعودي من اهتزاز في الوعي السياسي جاء نتيجة للتجاذب بين موروثه السياسي البسيط الذي يغلب عليه الطابع القبلي أو القروي وبين انفتاحه على إقامة العالم المتحضِّر بموروثه السياسي القديم والعريق حتى بدا فهمه للمصطلحات السياسية المعاصرة فهماً مشوشاً اختلطت فيه المصطلحات والمفاهيم والدوافع والمقاصد السياسية.. وطغت على رؤيته المواقف والسلوكيات الانفعالية التي تأثرت معها العقلانية.. وهذا ما جعل المعادلة مختلة نوعاً ما وتحتاج إلى معالجة سريعة تتمثَّل في تهيئة المواطن للتعامل إيجاباً مع الإصلاحات السياسية بشكل لا يفقده توازنه.. ولا يخلق لديه نوعاً من التضارب واللبس والتشويش. ترى هل نتفق على أن المسؤولية في معالجة الاختلال في المعادلة، الناشئ عن نقص وعي المواطن السياسي مسؤولية اجتماعية.. وهل نتفق أيضاً على أن النتائج الإيجابية للمعالجة سينعم بها الجميع.. والنتائج السلبية للمعالجة ستطال الجميع دون استثناء. كلنا يعلم أن المبادرة في تحمُّل المسؤولية المجتمعية هي سمة النبلاء وهي إضافة لهم.. وبلادي لا تعدم النبلاء.. فعطاء أبنائها جاوز المشارق والمغارب.. لذا أقف في مقامي هذا ليس ناصحاً وموجِّهاً ولكن مُذكِّراً مؤمناً بأن الذكرى تنفع المؤمنين.. أريد أن أذكِّر الجميع أفراداً (خصوصاً النخب) ومؤسسات حكومية وربحية وغير ربحية.. بأن كلاً منا قادر على القيام بدور إيجابي في هذا الشأن.. كما أريد أن أذكِّر بأن تهيئة المواطنين للتفاعل الإيجابي مع الإصلاحات السياسية هي من الأولويات الحاسمة.. فالثقافة المجتمعية السائدة في هذا المجال هي من أكبر العوائق التي تقف في وجه الإصلاح في هذه المرحلة. دعونا إذن نستعرض متطلبات هذه التهيئة التي يمكن أن نلخصها فيما يلي: أولاً: نحن بحاجة لجهات توفر لنا المعلومات حول مستوى الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتحدد خارطة القيم والمفاهيم الحالية.. والتقاطعات التي قد تُشكِّل بؤر توتر الأمر الذي يؤخِّر مسيرة الإصلاح وبالتالي مسيرة التنمية كاملة. ثانياً: نحن بحاجة لجهات تدرس هذه المعلومات وتحللها وتشخِّصها ومن ثم تطرحها بكل وسيلة مناسبة للمفكرين لتوليد الأفكار الابتكارية والحلول الناجعة لإخراجها في مقترحات وتوصيات أكيدة لمعالجة الخلل. ثالثاً: نحن بحاجة لجهات تنفيذية تستقبل وتوظِّف المعلومة والمقترحات والتّوصيات على شكل برامج علاجية متعددة توزَّع على المؤسسات والأفراد للمساهمة في تنفيذها كجهات متعاونة.. بحيث تكون المحصلة رفع درجة الوعي والإدراك لدى المواطن. وحيث إن أمراً بهذا الحجم وهذه الأهمية والحساسية يتطلَّب الابتعاد عن الفردية وروح الاجتهاد الفردي والانتقال إلى منطق التفكير الجماعي لتقرير الرؤية المطلوبة للمرحلة الحالية والمستقبل القريب.. فنحن بحاجة إلى جهة تبادر إلى تنظيم وتوجيه الجهود وحثِّ الجميع للتفاعل معها أفراداً ومؤسسات.. كل بما يتناسب وإمكاناته، ويكون لديها القدرة على قراءة الموقف قراءة علمية حتى لا تترك المجال للدهماء لكي تطغى فتكون وبالاً على الفرد والمجتمع وعائقاً للإصلاح. ومما يطمئنني على إمكانية تحقيق ذلك هو توافر البنية الأساسية.. فلدينا مواطنون على درجة عالية من الوعي والثقافة وبعضهم يقيم ندوات أسبوعية أو شهرية في منزله.. أو منتديات تُطرح فيها القضايا المجتمعية ويُدعى إليها المختصون للإدلاء بدلوهم.. كما أن لدينا وسائل إعلامية حديثة تغطي مناطق المملكة يقوم عليها أناس يحملون الهمَّ الوطني.. ولدينا مؤسسات ثقافية متعددة ومنتشرة في جميع أنحاء البلاد قادرة على القيام بهذا الواجب.. كما لدينا رجال مخلصون جُبلوا على العطاء والدعم في كل مجال يفيد وطنهم وأمتهم. وأختم بمقطع من ورقة سمو الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية في حديثه عن شكل ومضمون المشاركة السياسية إذ يقول: (يجب أن تكون المشاركة السياسية في إطار إصلاحي شامل وحقيقي لا مجرد تغيير شكلي لا يعتد به، ويجب أن تقترن بالتّنوير والتّثقيف السياسي والتّنشئة السياسية والمؤسسة السياسية بحيث تتعمَّق الوطنية وتترسَّخ معانيها، وأن نملك الجرأة اللازمة لممارسة النقد الذاتي وإعادة النظر في ثقافتنا السياسية السائدة).
|