مسلسل الاغتيالات

استهداف لبنان ليس جديداً، وسيظل الألم يعتصر نفوس أبنائه مع كل نازلة تهز ساحته، وقد كان مقتل النائب والصحفي جبران تويني أمس في انفجار مروع فصلا جديدا للمأساة التي ما زالت تتكرر في لبنان الشقيق، ومع ذلك فإن المصاب الجلل ينبغي ألا ينسي اللبنانيين السبب وراء ذلك الاستهداف والمتمثل في استدراج الجميع إلى حالة من الاتهامات المتبادلة التي تنطلق من كل صوب، ودماء القتيل ما تزال حارة.
ومن ثم فإن تهدئة المشاعر المتأججة هي مهمة ينبغي ان تحظى بالأولوية، إذ إن الذين ارتكبوا جريمة المكلس قصدوا إثارة البلبلة في ساحة مهيأة أصلا للتوتر، فلا زالت تداعيات حادثة اغتيال الحراري ماثلة في الأذهان، ويكفي ما سببته تلك الجريمة من لغط وجدل قانوني وسياسي تجاوز مجرد الساحة اللبنانية إلى سوريا المجاورة.
ولا يعني ضبط المشاعر مصادرة حرية التعبير عنها، فذلك أمر مناف للطبيعة البشرية، لكن المطلوب هو التأني في إصدار الاتهامات والأحكام التي يبدو من يطلقها وكأنه يضع يده على اليقين بعينه، فالتسرع سوف يفسد الكثير بما في ذلك جهود التحقيق الجنائي وغيره.
لقد نجح اللبنانيون من قبل في تضميد جراحهم وتوفير ضمانات العمل معاً لكل ألوان الطيف السياسي، وهم قادرون أيضاً على تجاوز تداعيات هذه الحقائق الممضة التي تدفع بها الجرائم السياسية المتتابعة.
وبلا شك فإن الذين نفذوا جريمة الأمس سيظلون يرقبون الكيفية التي سيتصرف بها هذا الكيان المتعدد المشارب والرؤى، وسيسعدهم كثيراً أن تتداعى وتنهار مكونات هذا التنوع، لكنهم سيصابون بالكثير من خيبة الأمل إذا رأوا غلبة العقلانية على كامل هذا الشأن، ومع ذلك فإنهم سرعان ما يلجؤون إلى وسائل أخرى.
وبناء على ذلك فإن تتبع خيوط هذه الجريمة بكل الحكمة والروية يتيح للبنان القضاء نهائياً على جهة دأبت على إقلاقه طويلاً، ومن الواضح ان الاتهامات الفورية هي التي تسعد كثيرا المنفذين الحقيقيين للجريمة، وهم الذين يتحينون الفرصة المناسبة لتنفيذ هذه الجرائم ويدركون منذ الوهلة الأولى إلى أين تتجه بوصلة الاتهامات، ومن ثم يعملون على تغذيتها، ولو تطلب الأمر إعادة ذات السيناريو باستهداف ذات الفئة التي يوحي استهدافها بالجهة التي ينبغي أن تتوجه إليها أصابع الاتهام.