Wednesday 14th December,200512130العددالاربعاء 12 ,ذو القعدة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "ملحق خاص"

أكدت عدم مراعاته ظروف ومصالح الدول الناميةأكدت عدم مراعاته ظروف ومصالح الدول النامية
دراسة توجه انتقادات إلى نظام تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية

* القاهرة - مكتب الجزيرة -علي البلهاسي - محمد العجمي:
تعتبر الاتفاقية الخاصة بالقواعد والإجراءات التي تحكم تسوية المنازعات التجارية التي تنشأ بين أعضاء المنظمة العالمية للتجارة أحد الاتفاقات التاريخية التي تمخضت عن جولة أوروجواي التي توجت بإنشاء المنظمة
العالمية للتجارة، وجاءت القواعد والإجراءات التي تضمنت هذه الاتفاقية حصيلة لتطور تاريخي طويل بدأ خطواته الأولى في أحضان المادتين 22 و23 من اتفاقية (جات 1947)، وأخذ يشب تدريجيا مع الاتفاقيات التي تلاحقت لتنظيم تسوية المنازعات التجارية بين الدول الأطراف، واشتد العود مع الانخراط في التطبيق والواقع العملي وما أفرزه من دروس وانتقادات واحتياجات، ثم جاء أخيرا التبني الرسمي لهذا النظام ليكون أحد الاتفاقات الرئيسة لجولة أوروجواي والملحقة بالاتفاقية المنشئة للمنظمة العالمية
للتجارة.
الدكتور أسامة الفولي أستاذ الاقتصاد ووكيل كلية الحقوق جامعة الإسكندرية أعد دراسة حول الطبيعة الخاصة لنظام تسوية المنازعات في إطار المنظمة
العالمية للتجارة، ناقش فيها سلبيات هذا النظام وانعكاساته على الدول النامية في منظمة التجارة العالمية.
ترجمة عربية خاطئة
تقول الدراسة إن الترجمة العربية لوثائق جولة اوروجواي ومن بينها وثيقة التفاهم بشأن القواعد والإجراءات التي تحكم تسوية المنازعات وقعت في خطأ كبير، حيث أطلقت على (نظام التحقيق) مصطلح (التحكيم) عن غير قصد ثم تمادت في هذا الخطأ بالكلام عن إنشاء فرق التحكيم واختصاصات فرق التحكيم وتكوين فرق التحكيم ووظيفة فرق التحكيم وإجراءات فرق التحكيم واعتماد تقارير فرق التحكيم.. وزاد من وطأة هذا الخطأ أن وثيقة التفاهم أردفت كلمة التحكيم arbitration الواردة في المادة 25 وسيلة بديلة لتسوية النزاع بجوار نظام فرق التحقيق panels بكلمة (السريع) الأمر الذي أعطى الانطباع بأن وثيقة التفاهم أقرت التحكيم المتعارف عليه عالميا وسيلة لتسوية المنازعات، ولكن قسمته إلى نوعين: أحدهما عادي والآخر سريع.
ورغم أن القارئ للنص الإنجليزي أو الفرنسي لاتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة يمكنه أن يدرك الفارق بسهولة، إلا أن ورود هذا الخلط في النص العربي لم يقتصر أثره على مجرد القارئ العادي، بل امتد أيضا إلى الكثير من المتخصصين وإلى الحد الذي أقنع البعص بأن نظام فرق التحقيق panel لا يعدو أن يكون نوعا من أنواع التحكيم النظامي المؤسسي institutional arbitration المتعارف عليه بالمقابلة بالطبع للتحكيم الحر adhoc arbitration لذا أصبح من الضروري إيضاح مدى خصوصية نظام هيئة التحقيق كآلية أساسية لتسوية المنازعات في إطار المنظمة العالمية للتجارة، بالإضافة إلى إيضاح كيف يتم التحكيم المتعارف عليه في إطار وثيقة التفاهم طبقا لما نصت عليه المادة 25 من هذه الوثيقة.
وقدمت الدراسة عرضا موجزا لنظام تسوية المنازعات الواردة في وثيقة التفاهم الخاصة بقواعد وإجراءات تسوية المنازعات في إطار المنظمة العالمية للتجارة أكدت من خلاله أن لهذا النظام ذاتيته وخصوصيته عن الأنظمة
التقليدية للتقاضي السائدة في بلادنا العربية، مشيرة إلى ان هذا النظام لا يمكن أبدا اعتباره تحكيما بالمعنى المتعارف عليه والمستقر عليه عالميا، سواء من حيث كيفية تشكيل فريق التحقيق وليس فريق التحكيم كما ورد في الترجمة العربية، ولا من حيث سلطات واختصاصات هذا الفريق، ولا من حيث طبيعة ناتج عمل هذا الفريق الذي لا يعد كونه تقريرا يتعين اعتماده من قبل جهاز تسوية المنازعات، ما يصير قرارا أو حكما، ولا من حيث قابليته للطعن والاستئناف، ولا من حيث طبيعة دور جهاز الاستئناف وطبيعة نتاج عمله الذي لا يعدو هو الآخر كونه تقريرا يتعين أيضا اعتماده من قبل جهاز تسوية
المنازعات.
الدول النامية في إطار المنظمة
وأكدت الدراسة أنه بالرغم من أن اتفاقات جولة أوروجواي كافة تضمنت العديد من النصوص التي يوصي ظاهرها بضرورة أن تكون هناك معاملة تفضيلية وتمييزية للبلدان النامية بصفة عامة والبلدان الأقل نموا بصفة خاصة، إلا أن الواقع العملي أثبت أن هذه الاتفاقيات ترسخ قواعد النظام التجاري الدولي الجديد القائم على عدم التكافؤ والتفاوت الكبير بين الأوضاع الاقتصادية في
الدول المتقدمة عليها في الدول النامية، بل والافتئات على الحقوق المحددة لهذه الأخيرة.
وبالنظر إلى نظام تسوية المنازعات كما ورد في وثيقة التفاهم الخاصة بقواعد وإجراءات تسوية المنازعات في إطار المنظمة العامة للتجارة نجد أنه لم يخرج عن هذا الخط العام، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى توجيه سيل من الانتقادات لهذا النظام تأسيسا على مجافاته المصالح الحقيقية للدول النامية وعدم مراعاته ظروفها الخاصة.. وتقدم بالفعل العديد من الدول باقتراحات لتعديل هذا النظام.
ومن الانتقادات التي توجه إلى هذا النظام التجاري الدولي الجديد أنه جاء ليضع إطارا قانونيا حديديا لترسيخ وتعميق حالة انعدام التوازن بين القوى الاقتصادية الطاغية لقلة من الدول المتقدمة وغالبية من الدول النامية والأقل نموا.. ومما يؤكد تلك الحقيقة أن القاعدة أصبحت إما أن تنضم الى المنظمة العالمية للتجارة وتقبل بالتالي الاتفاقية المنشئة للمنظمة وكل ما ألحق بها من اتفاقات ومن بينها وثيقة التفاهم الخاصة بالقواعد والإجراءات التي تحكم تسوية المنازعات، وأما أن ترفضها كلها دون السماح بالتحفظ إلى أي من هذه الاتفاقات ككل أو أي من قواعدها، وهو الأمر الذي كان متاحا للدول النامية من قبل.
من هنا وجدت الدول النامية نفسها بصدد نظام لتسوية المنازعات مفروض عليها ولا تملك حياله أية سلطة تقديرية مثلها في ذلك مثل الدول الأخرى المتقدمة.. ولكن ما أوسع الفرق بين موقف كل الفريقين، بين صاحب الدخل الأعظم والنصيب الأكبر في التجارة الدولية والخبرة الأعمق في كل دروبها، وبين صاحب النصيب المتواضع من الدخل والتجارة والخبرة.
وعود منقوصة
كما تضمنت وثيقة التفاهم نصوصا عدة بشأن المعاملة التمييزية للبلدان النامية أو الأقل نموا، ويلاحظ على غالبية هذه النصوص أنها جاءت في صيغة عامة غير محددة كأنها مجرد توجيهات بدلا من أن تكون قواعد محددة ملزمة.. والواقع أن وثيقة التفاهم مثلها مثل بقية اتفاقات جولة أوروجواي تحمل وعودا منقوصة اثبت الواقع العملي عدم صدقها وتنكر الدول المتقدمة لها.
ويلاحظ أيضا عدم تناسب تكاليف استخدام آلية تسوية المنازعات مع ظروف الدول النامية، حيث تتطلب هذه الآلية جهودا لخبراء رفيعي المستوى لمتابعة النزاع في مراحله المختلفة التي قد تطول وتصل إلى ثلاث سنوات أو أكثر إذا ما اتفق على مد المدد المحددة في وثيقة التفاهم، وهذه النوعية من الخبراء لا تتوافر عادة في الدول النامية التي تجد نفسها مضطرة إلى الاستعانة بالخبراء من الدول المتقدمة الذين ترتفع أتعابهم بصورة مبالغ فيها، ولا طاقة لأية دولة نامية بتحملها، الأمر الذي قد ينتهي بعزوف الدول النامية المتضررة عن اللجوء إلى استخدام آلية تسوية المنازعات من الأصل. يضاف إلى ذلك أن الدول النامية عادة ما تضع في حسابها التكلفة السياسية فيما لو كانت الدولة المشكو منها دولة متقدمة، حيث تخشى من رد فعلها إذا ما لجأت هذه الدول النامية إلى استخدام نظام تسوية المنازعات.. كل ذلك يدعونا إلى ضرورة إدخال تعديلات على القواعد المعمول بها حاليا حيث تضمن من ناحية تقليل عبء هذه التكلفة المالية العالية التي تضطر الدول النامية إلى تحملها إذا ما لجأت إلى استخدام نظام تسوية المنازعات، وتضمن من ناحية أخرى تحييد رد فعل الدول المتقدمة إذا ما تقدمت دولة نامية بشكوى ضدها.
كما يتسبب طول المدة المقررة لتسوية النزاع التي تصل إلى ثلاثين شهرا في الإضرار بمصالح الدول النامية إذا ما اتخذت إحدى الدول المتقدمة أو غيرها إجراء يضر بمصالحها الاقتصادية، كأن تتخذ إجراء يمنع دخول صادراتها.. فحتى لو اعتمد جهاز تسوية المنازعات تقريرا بإدانة الدول المتقدمة تكون الدول النامية قد منيت بخسائر فادحة خاصة لو كانت تعتمد على هذه الصادرات اعتمادا كبيرا، كذلك قد ينتهي النزاع إما دون تعويض أو بتعويض لا يتناسب وحجم الخسائر التي لحقت بالدولة النامية المتضررة.. وحتى لو كان من
حق الدولة النامية أن تتخذ إجراءات انتقامية ضد الدولة المتقدمة المدانة إلا أن ذلك يصعب حدوثه في الواقع العملي لأسباب سياسية واقتصادية على النحو الذي ذكرناه سابقا.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved