هناك فئة قليلة من الناس تنتابهم في بعض الأحايين حالة من القلق والضيق النفسي بلا سبب ظاهر إنما هي فترة توتر، أو قل أزمة نفسية قد تطول أو تقصر. يشطح الفكر فيها بعيداً محلقاً في أجواء كلها تشاؤم واكتئاب دون أي مبرر.. وأنا في هذا المجال أعترف بصدق بأني أحد أولئك البشر الذين تعتريهم مثل هذه الحالة فاذا ما ألمت بي أشعر فوراً بموجة عارمة من الرهبة والتبرم من لا شيء..! فإذا ما سألت نفسي ولم هذا التبرم والتسخط؟! أعجز كل العجز عن الاجابة على هذا السؤال المعجزة. وبالأمس القريب فقط أجتاحني شعوري الغريب ذاك فأحسست بالألم والاكتئاب يلفني بردائه الأسود الثقيل وبرز في داخلي السؤال إياه يهزني بعنف لماذا كل هذا الضيق النفسي وأنا في أقصى اكتمال مقومات سعادتي.. وبالأمس بالأمس فقط صممت على البحث عن اجابة تقنعني بسبب شقائي اللا منطقي وأرهقني البحث وهز كياني السؤال اياه وعذبني التصميم على الحصول على الاجابة بأي ثمن.. وطال بي التفكير و الاستقصاء عن مبررات الضجر والتذمر.. وكدت أن أيأس من العثور على الاجابة التي أريد وكاد اليأس يخرجني عن طورى المألوف، فأخرج إلى الملأ في وضح النهار والشمس ساطعة وبيدي قنديل مضاء فإذا عجبوا مني قلت لهم: على رسلكم فإنني ديوجين هذا العصر أبحث عن الحقيقة فهلا هداني احدكم إلى حقيقة ومصدر هذا الاكتئاب الذي أعيش فيه.. وأن بكوا على عقلي فليفعلوا ذلك فربما اجد في بريق دموعهم ما يخفف عني الوطء ويزيل بعض العناء الذي أحسه.. ولكن.. على حين غرة مني وأنا مستغرق في تأملاتي أشحذ الفكر وأعيد النظر وأقلب الطرف في تساؤلاتي عن مصدر شقائي فجأة وبلا وعي قفزت من مكاني وكدت أصرخ بملء فمي جذلا كما صرخ اسحاق ابن المدعو نيوتن حينما عرف سبب سقوط التفاحة أو كما صرخ صاحبنا الذي اهتدى فجأة لقانون طفو الأجسام.. وجدتها وجدتها.. نداء تردد في أعماقي مشوبا بمزيج من البهجة والشك بهجتي بوصولي للهدف الذي اعتقدت أنني وصلت اليه وشكي في أني وصلت فعلا لهدفي وتمكنت من معرفة مصدر اكتئابي. ولا غرو في ذلك إذ لا أدري كيف تذكرت فجأة قصة تلك السيدة الأمريكية التي تدعى هيلين كيلر.. تلك الإنسانة التي لا تعرف للحزن سبيلا. ثغرها يفتر دوما عن ابتسامة خفيفة كلها ثقة وكلها اشراق ورحت أسترجع ما اختزنته ذاكرتي المتعبة من معلومات عن هذه الانسانة الكبيرة.. آه انني أعرف الآن هيلين ولدت عام 1880م وهي محرومة من جميع مقومات الحياة السعيدة حيث نشأت عمياء لا تبصر خرساء لا تنطق.. صماء لا تسمع ومع ذلك وبالرغم من كل ظروفها الصعبة فقد شقت طريقها في الحياة بعنف وبارادة حديدية لا تعرف الكلل أو الملل وكانت في جميع أدوار حياتها لا تعرف للألم طعما ولا تجد لشعور الشقاء في نفسها الرفيعة مكانا.. هكذا قدر لها أن تعيش فلماذا تتبرم وتتسخط من واقعها المؤلم وهل اذا تبرمت سيغير ذلك من الأمر شيئا.. الجواب بالطبع كلا إذاً فلتحي الحياة كما هي ولتصبر على حكمة الله ولتتسلح بالعلم والايمان ولتشعر نفسها بدفء الحياة واشراقة الوجود.. وهكذا مضت هيلين في طريقها حتى بزت الأسوياء في بعض الأمور التي يحسنونها فهي تحب أن تلعب الشطرنج وتقضي ساعات طوال في لعب الورق وتبدع في هاتين اللعبتين أيما ابداع كما أنها تجيد اشغال الأبرة وتتذوق الموسيقى عن طريق اللمس وتطرب لها كما يطرب الغير وهيلين إذا أرادت أن تحادثك وضعت يدك بين راحتيها لتتحرك أصابعها العشرة حركات لطيفة ضاغطة على يدك بمعاني واضحة مفهومة فهي تحادثك عن طريق حركات أصابعها وعليك إذا أردت محادثتها أن تعاملها بنفس الطريقة وتستطيع أن تستشف من حديثها معك أنها امرأة واسعة الثقافة والاطلاع وليس أدل على سعة أفقها وغزارة اطلاعها من أنها قد ألفت سبعة كتب قيمة وانتجت قصة للسينما وألقت عدة محاضرات في بعض المدارس والمعاهد المتخصصة لا سيما تلك التي تهتم برعاية الأطفال المعاقين في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن!! قارئي العزيز!!.. هل تتصور أنني بتذكري لقصة هيلين استطعت أن احصل على جواب لتساؤلي عن مصدر شقائي اللا منطقي.. أعتقد جازما بأنني في هذا الشأن أمسكت بطرف الخيط واهتديت إلى أول الطريق ذلك بأني لا أشك مطلقا بأن في قصة هيلين كيلر أكثر من عبرة وأكثر من جواب مقنع على تساؤلاتي وأكثر من مغزى فمن يطمئنني بأن هيلين لا زالت على قيد الحياة تتنسم عبير السعادة لأبعث لها بكل تساؤلات وتأوهات المعذبين في الأرض؛ فيقيني ثابت بأنها سوف تعطيني الجواب الشافي ولعل ذلك الجواب سيتلخص في كلمة واحدة.. ( الامل والقناعة بنصيبنا في الحياة وعدم تحميل الأمور أكثر مما تحتمل). فافهموا يا من عذبتم أنفسكم (مثلي) بلا سبب وافقهوا أيها المتضجرون من نصيبكم في الحياة لأي سبب كبيراً كان أو صغيراً.
منصور مرزوق الدهام |