يقول مارون عبود وهو يتحدث عن الأدب السافر.. بقي مخزن الملك الضليل مشرع الأبواب مئات السنين ينتقي منه الغادي والرائح ثوبا على قده (ولهذا يقول الشاعر الأسود): (هل غادر الشعراء من متردم) يومئ في ذلك إلى أن الشعراء يردون حوضا واحدا ويشربون منه ثم ينفثون شعرهم في الملأ كالساحرات النافثات في العقد. ويمعن مارون كعادته في النقد الساخر للأدب الساخر فيقول:- وإذا كان النثر كالمشي والشعر كالرقص فجل شعرنا رقص الدراويش أغراض ناقته تتجمع كل مرافق حياته، من وبرها يكتسي ومن درها يغتذي وبفحمها يصطلي وهي مركبه إذا أسرى وخيمته إذا لذعه الهجير). والشعر الساخر زفرت به الكتب.. فالطالبون له ينشدونه في مظانه.. ولكنها مظان رهنتها رفوف المكتبات فما عادت الأيدي تمتد إليها إلا بقدر ما تدفع هذه الأيدي داخل الشباب في لهو وشرود يطارد نفايات الحاضر كالهائم على وجهه. يقول مارون عبود عن الجاحظ الساخر: جد الجاحظ ضاحكا وتفلسف مدة وهل أخطر المعضلات وأدقها هازئا، والحق أن مارون عبود ساخر إلى أبعد حدود السخرية فكل نقده لا يخلو من السخرية العاتبة الهادفة اللاذعة. وإذا كان الأدب العربي ضحك حتى بدت نواجذه بين يدي أبي نواس والجاحظ فإنني أقول بدون تحفظ: إن الأدب العربي ضحك حتى استلقى على ظهره عند مارون عبود والمازني والبشري. وأضرابهم ممن حفظ لنا الكتاب العربي جل معطياتهم وعسى أن أوفق مرة أخرى لإفراد حديث عن سخرية مارون عبود.. وإبراهيم عبدالقادر المازني وعبدالعزيز البشري لأثبت فعلا أن الأدب ضحك حتى استلقى على ظهره. والذي أرى فيه أن عبود قد أسرف على نفسه وأسرف على الناس بقوله إن السخر نام نومة أهل الكهف حتى أيقظه الشدياق في منتصف القرن التاسع عشر. ويتطلع القارئ إلى حمارتي الجاحظ ومارون عبود كامتداد للسخرية الهادفة ويناشدني خبرهما.. أما عن أتان مارون فخذ ما يقوله عنها. ثم أصبحنا والأتان مربوطة أمام البيت تامة الكسوة؛ حلس فبردعة ومفرشة تحتها خرج في إحدى عينيه الآلة الكاتبة وفي الأخرى ما يعادلها من متاع فالأثقال كالطائفية تتطلب التوازن. مشت غزالة - اسم الحمارة - وكان العهد بها فارهة لأنها غير عانس فإذا بها تتلكأ إن جذبت رسنها وقفت، وإن أرخيته اصطكت ركبتاها، فقلت لبطرس ايش مصيبة دانيك اليوم؟! فأجاب: خيَّسها سقوط الليرة أكثر من خمسين بالمئة، خذ حذرك، ظننته يهزل كعادته. فقال: مالك؟ ما نسينا أيام الحرب. قلت: وسرت وأنا على يقين من أن الحمارة حملها خفيف، ولما أسهلنا أخذت تنتق بي، ثم طفقت تنطق من خلف كحمارة الجاحظ، فضحكت.. وقلت لرفيقي إنها تكذب بطرس.. فسمعها بطرس قائلا: يا ليت!!. أما حمارة الجاحظ، فهناك ما قاله الجاحظ نفسه عنها وعن المغالبة (من كتاب نوادر الجاحظ). قال: ما غلبني أحد قط الا رجل وامرأة. فأما الرجل فإنني كنت مجتازاً في بعض الطريق فإذا برجل قصير بطين كبير الهامة طويل اللحية مؤتزر بمئزر وبيده مشط يمشطها، فقلت في نفسي رجل قصير بطين آلي فاستزريته فقلت: أيها الشيخ، لقد قلت فيك شعراً فترك المشط بيده وقال: قد قلت:
كأنك صعوة في أصل حش أصاب الحش طش بعد رش |
فقال: أسمع جواب ما قلت فقلت هات فقال:-
كأنك جندب في ذيل كبش تدلدل هكذا والكبش يمشي |
وأما المرأة فلها حكاية قد أسردها. قلت نفَّس الله كربة الجاحظ.. وأخرجنا من مأزق الحياة ومصائد المستضعفين فكم من محتقر فلق الأرض وشق بهامته السماء.. داعيا اللسنين، وأكم أفواه المدركين. وجرتني الذاكرة الحرون وأنا احتلب ريقي عطفا على الجاحظ وحمارته.. وشفقة على مارون وأتانه وبطرس الذي شارك في حكاية الحمارة.. والليرة اللبنانية.. والذاكرة.. تعيد إلى الذهن قصة مماثلة حكاها الأصمعي ولست أدري أيهما السارق الذي سطا على صاحبه.. لكن القدم الزمني يفصل الخصام.. إذاً فهناك قصة الأصمعي كما رواها المؤرخون والكتاب. يقول الأصمعي.. حضرت مجلس قوم وكان فيها شاب حدث قد لبس فردته مقلوبة وكان يأكل هريسة ومن شرهه ينساب السمن حتى مرفقه ثم يبل هذه الفروة وكان منظراً مضحكا.. وأردت أن أعيب عليه. فقلت له اسمع.. فقال: هات قلت:
كأنك أثلة في أرض هش أتاها وابل من بعد رش |
فلحس يده ومسح ما بقي بها في فردته والتفت إليَّ وقال: الآن طاب الغراب خذ رد هذا البيت قلت له: هات. فقال:
كأنك بعرة في إست كبش مدلاة وذاك الكبش يمشي |
قال الأصمعي: فسكت ولم أحرز جوابا. قلت: ويخيل إلي أن الأصمعي والجاحظ.. ومارون عبود لم تكن لهم مثل هذه المقالب ولكنها الروح الساخرة تلم بالشاعر والكاتب فتخلق وتبدع في أفقه الفكري تلك النكات الساخرة الهادمة فيرصدها الكاتب والشاعر كيفما اتفق.
|