Wednesday 4th January,200612151العددالاربعاء 4 ,ذو الحجة 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

مركاز مركاز
أبو همزة!
حسين علي حسين

حتى الآن لا أدري ما هو سر ولعنا وتعلقنا بالأرز، مع أننا في الجزيرة العربية لم نعرفه إلا مستورداً، حتى الأرز الذي قيل إنه يزرع في الأحساء، بتنا ننظر إليه كعينة للفرجة والعرض، وما عدا ذلك فالأرز يأتينا من كل مكان، وكنت في صغري أسمع عن الأرز الهورة والبكة والعنبربو والبشاوري، وبعد ذلك أطلَّ علينا الأرز أبو سيوف، وقوة هذا الأرز مستمدة من اسمه ودولته، فهو ذو حبة طويلة ومتماسكة وشفافة، وكأنه رطب دقلة نور التي تأتينا أيضاً من الجزائر وتونس، أما العينات الأخرى من الأرز فكانت تأتينا من الصين والهند وباكستان وأستراليا، فالأرز عادة لا ينبت إلا في الدول التي وهبها الله وفرة في المياه، ومع ذلك فإن فقر إمكانياتنا المائية، لم يحل دون استيراد الأرز وبأغلى الأثمان، بل إن وفرة النقود، لا الماء، جعلتنا نستورد أفخر أنواعه مثل أنكل بنز وعنبربو والمزة الباكستانية بلونيها الأبيض والشفاف، وهناك أرز للغلابة تقبل عليه العمالة الوافدة يطلقون عليه الأرز الكوري أو الهندي، وبعدما كان الأرز يستمد جودته وقوته من الدقيق أو القشر والدود المختلط به، أصبح الأرز يُنقى ويعالج كيميائياً، ولا يصل إلينا إلا وهو أنظف من الصيني بعد الغسيل!
ولأن عندي من أخبار الأرز الشيء الكثير، فإنني سأبدأ برجل بسيط أعتبره عمدة آكلي الأرز، فهذا الرجل كان يمر يومياً على مناسبة زواج أو طهور أو عزاء، ليأكل الأرز باللحم ويشرب الشاي، ويترك المكان ربما إلى مكان آخر، فيه أرز بنكهة أخرى، أو طريقة طبخ مختلفة، وليست لدى هذا الرجل حساسية من وجوده في أي مكان بدون دعوى فشعاره: مشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم، ولذلك تجده أحياناً يمر على أكثر من مكان، وهذا الرجل سمعت منه جملة لم تبرح ذاكرتي، فقد قال إنه يفضِّل أن يذهب إلى محلات العزاء أكثر من أي مكان آخر يُقدم فيه الأرز واللحم، فالعزاء يستمر عادة من ثلاثة أيام إلى ثمانية أيام، أما الزواج فهو ليلة واحدة، أو ليلتان وينفض السامر، وهناك العديد من الأشخاص الذين إذا لم يجدوا طبق الأرز أمامهم لا يعتبرون نفسهم أكلوا على الإطلاق، وهذه العينة من الناس تأكل الأرز ظهراً ومساءً، وبعض هؤلاء لا يهمهم نوع الأرز المهم أن يكون أرزاً مطبوخاً وفوقه دجاجة أو قطعة لحم.. إن أكل الأرز لديهم إدمان مثل إدمان الشاي والسجائر!
وفي البادية يُعتبر عيباً أن يُقدم الأرز بدون ذبيحة، والذبيحة يجب أن تكون خروفاً، أو جملاً وإياك أن تقدم تيساً، أو دجاجاً، فربما عرَّضت ضيفك للحرج أو الضيق، بل إن بعض الضيوف كانوا لا يترددون عن رفض الوليمة، وأعرف من الناس الذين تربوا بعيداً عن أجواء آبائهم وأجدادهم، تعرضوا بسبب ذلك لمشكلات لا حصر لها، مع أنهم حرصوا على أن يكون الأرز سيد المائدة!
وفي الأسواق الآن عشرات المطاعم التي تُقدِّم الأرز بالعديد من الطرق فمن المطبوخ بوساطة القدور الكاتمة، إلى المضغوط والمثلوثة والبرياني والسليق والكابلي، والزردة (هذا النوع من الأرز يضاف إليه السكر والزعفران!) وهناك الأرز بالحمص، وهذا النوع كان يُقدم في المدينة في مناسبات العزاء، أما الأرز بالعدس، فهو يجهز في موسم الأمطار، ويقدم للعرسان الذين يوافق زواجهم موسم هطول الأمطار، وهناك من المعلمين الذين يقترحون عليك الأكلات أو الأطعمة المساندة التي يستحسن أن تكون بجانب كل نوع من الأرز، مثل السلطة والبف والطرمبة!
وفي الرياض وربما في غيرها من المدن يطلقون مسمى (الكبسة) على وجبة الأرز باللحم أو الدجاج، ومن الواضح أن (الكبسة) أخذت مسماها من لجوء الناس إلى وضع اللحم والدجاج والطماطم والبهارات مع الأرز مرة واحدة، لتنضج سريعاً أو على مهل.. وقد كانت هذه الطريقة سائدة قبل أن تدخل التطورات المذكورة أعلاه على تشكيلة الأرز.. وكما بدأت بالأرز أختم به فهناك أنواع من الأرز باهظة الثمن، كان بعض الموسرين يقبلون عليها وأغلبها يأتي من العراق وإيران مثل العنبربو والرشتي، وفي الحجاز يطلق عامة الناس على وجبة الأرز مسمى (أبو همزة) ولا بد أن هذه التسمية الطريفة، منطلقة من أكل هؤلاء الناس بأيديهم، فقد كان من يأكل الأرز بيده يدور اللقمة في شتى الاتجاهات، حتى يطلقها باتجاه فمه، وهي لفظة تعطينا صورة عن تجذُّر هذه الوجبة لدى الناس، رغم أن عامة الناس أصبحوا الآن يتجهون إلى الأكل بالملعقة!

فاكس: 014533173

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved