كبار السن من الآباء والأمهات، والأجداد والجدات، هم بركة علينا وعلى بيوتنا، نجد معهم وفي أحضانهم دفء المشاعر، والحب، والعطف، والحنان.
يأوي الأولاد إلى البيت فيجدون في أحضان والديهم ويقربهم الأنس والسعادة، والمشاعر الصادقة، والشفقة، والنصيحة المخلصة.
ولعل ما دفع بتلك الخواطر إلى ذهني أني تذكرت عمتي، تلك المرأة الصالحة نحسبها كذلك والله حسيبها، ولا نزكي على الله أحداً - كانت تحيي الليل صلاة، والنهار صياماً، وكانت أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولا تحفظ إلا قصار السور من القرآن. يحدثني والدي - رحمه الله - يقول: توفي لها أكثر من ثمانية أولاد بعد ولادتهم، فكانت تغسلهم، وتكفنهم بنفسها، وهي صابرة محتسبة للأجر من الله تعالى، كان وجهها يشع نوراً، والابتسامة لا تفارقها، كريمة تساعد الفقراء والمساكين وتعطف عليهم، ولا ترد سائلاً، وكانت بارة بوالدها جداً، حتى أطلق عليها أهل قريتها (العبدة الصالحة مقرنة) كان الجميع يعرفها بصلاحها وتقواها - نحسبها كذلك - وهذا من عاجل بشرى المؤمن. يقول والدي رحمه الله: توفي لنا ولد واحد، فحزنَّا عليه جداً، فكانت تبتسم، وترفع يديها إلى السماء قائلة: (يارب اغفر لهم وارحمهم) كانت تواسينا، وتخفف من آلامنا، وتعد لنا الطعام، وعندما كانت تأتي إلى الرياض كانت البركة تحل علينا كنا نتحلق حولها فرحين بقدومها وكنت طفلاً صغيراً آنذاك، كنت أحبها، وقلبي متعلق بها، وكانت تأتينا صيفاً، فكنا نصعد إلى السطح لنرشه بالماء بعد غروب الشمس ليبرد المكان، ثم كنا نفرش لها مطرحة مخصصة لها، فكانت تحيي الليل متهجدة في صلاتها.
أصيبت - رحمها الله - بوَرَم خطير في الحلق، وسافر بها عمي إلى الخارج للعلاج، ولم يجدوا لها علاجاً، فعادت بعد أسابيع وهي صابرة محتسبة، وسافرت إلى القصيم حيث وافاها الأجل هناك فمضت إلى ربها وصلى عليها جمع كبير - ولله الحمد - من أهلها وجيرانها وغيرهم، وخيّم الحزن علينا جميعاً، حتى إنني قد حبست نفسي في غرفتي الطينية عدة أيام لا أشتهي طعاماً ولا شراباً من شدة تأثري لفراقها. فرحمها الله وأسكنها فسيح جناته وجميع موتى المسلمين، ورزقنا الله نقاء السريرة، وحسن الطوية، والقيام بأمر الله تعالى في كل حين.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
|