مواصلة لما ننشره عن الحالة العراقية بأقلام الكتاب العراقيين، واستمراراً لما ننشره عن إعداد الجيش العراقي، نعرض ما رصده الكاتب العراقي عبدالرحمن الوائلي عن التدريب الأمريكي للقوات المسلحة العراقية، ويقول:
قبل أيام عرضت محطة تلفزيونية هولندية وهي (Nederland 1) ريبورتاجاً مفصّلاً عما يحدث في ساحات التدريب لصنف من أصناف الفرق العسكرية في الجيش العراقي من قبل الضباط الأمريكان داخل العراق.. ركّز التقرير أولاً على الأسباب التي دفعت بالمجندين العراقيين أو المتطوعين إلى الالتحاق بمثل هذه الدورات العسكرية الخاصة، وكانت الأسباب التي ذكرها عدد غير قليل من هؤلاء المجندين الذين التقى بهم معدّ البرنامج نفسه تتراوح بين الرغبة في تحسين الوضع الاقتصادي لهم بالإضافة إلى ما عبّروا عنه من رغبتهم في المساهمة في استتباب الأمن ومقاومة الإرهاب بعد تأهيلهم عسكرياً لهذه المهمة.
الدوافع نبيلة ومشروعة أيضاً، وقد بدا المجندون في بداية التقرير سعداء ومتحمسين وودودين للغاية مع مدربيهم الأمريكان، فهم وكما أوضح التقرير يعتقدون أنهم يقومون بعمل عظيم من أجل العراق وشعبهم الذي عقد عليهم آمالاً جسيمة في حماية الوطن وبصورة جديدة مشرقة للقوات المسلحة العراقية تختلف كثيراً عن تلك التي كانت على أيام النظام السابق، فساحة التدريب اليوم غير ساحة التدريب بالأمس، والمشرفون على تدريبهم اليوم يتمتعون بوعي ديمقراطي متميز حملوه معهم من أعظم حضارة عالمية تقوم على احترام الإنسان ومعرفة حقوقه الكاملة، كما أنها - أي هذه الحضارة - تقوم أيضاً على فهم البنية الأساسية للخطاب الإنساني الذي يترجم عادة بأسلوب مهذب في التعامل مع الآخر مهما كانت قوميته، ومهما كان شكله ولونه وعمله.. هكذا ظنّ المجندون العراقيون أنهم مقبلون على ساحة تدريب هي في الحقيقة ساحة جديدة لحياة جديدة مليئة بالقيم والأخلاق والمعاني الإنسانية السامية التي لم يشعروا بها يوم كانت ساحات التدريب أيام النظام السابق تعج بهم ليل نهار وعلى مدار أيام السنة بأكملها.
فجأة تغير المشهد في الريبورتاج وأصبت أنا والمشاهدون بصدمة شديدة حينما ظهر ضابط أمريكي وهو يسمع أحد المجندين العراقيين أقبح الشتائم وأرذلها تلك التي تهبط بمستوى الخطاب الحضاري إلى مستوى البهيمية، فلم يترك الضابط الأمريكي لفظاً ينطوي على شذوذ جنسي لم يأت به أمام هذا المجند العراقي الذي أطرق برأسه أمامه رغم أنه لم يفهم كثيراً مما قال، فالمترجم الذي بينهما لا يترجم الشتائم حرفياً بل يستبدلها بأخرى أخف وطأة تخفيفاً للكراهية التي قد تزرعها هذه الشتائم في نفوس المجندين للأمريكان، الأمر الذي قد يعزز القناعة عندهم بأنهم لن يكونوا أحسن حالاً مما كانوا عليه سابقاً.
لم يمض على هذا المشهد إلاّ لحظات حتى عاد التوتر يملأ المشاهد اللاحقة، ثم توالت الصدمات كأنها صواعق محرقة عليّ وعلى المشاهدين جميعاً.. إليكم أيها السادة بعض هذه المشاهد التي هزّتني من الأعماق حتى بتّ فاغر الفاه أمام شاشة التلفاز.
1- بدا أحد المجندين العراقيين وهو موثوق اليدين إلى الخلف بوثاق بلاستيكي يبدو أنه أعد خصيصاً للمجندين الذين يعاقبهم الضباط الأمريكان بسبب عدم امتثالهم لبعض الأوامر العسكرية أو بسبب مخالفتهم لبعض التعليمات في ساحة التدريب، بدا هذا المجنّد جالساً على أريكة في غرفة الضابط الأمريكي، وكان هذا الأخير جالساً إلى جنب المجند المعاقب وهو يقلّب صفحات مجلة إباحية طالباً من المجنّد أن ينظر بعينيه إلى صفحات المجلّة وهو يقول (انظر يا رجل، ألا تحب أن تنظر إلى هذه النساء الجميلات) وكانت ردة فعل المجند العراقي أن أشاح بوجهه إلى الجهة الأخرى رافضاً النظر إلى المجلة وما تحويه من صور إباحية، وقد ألح الضابط الأمريكي على المجنّد مراراً في ذلك ولكنه لم يستجب أبداً، انتهى المشهد بقهقهة الضابط وزملائه الأمريكان ممن كان متواجداً في الغرفة ليشهد هذا المشهد المتميز من الكوميديا.
2- مشهد آخر يصوّر عراكاً وشجاراً بين مجند عراقي والمترجم الذي كان بينه وبين الضابط الأمريكي، وحقيقة الشجار أن المجند - وهو كردي كما بدا ذلك واضحاً من لغة العراك - كان قد رفض الجلوس على كرسي الحلاّق حيث كان هذا الأخير مكلّفا من قبل الضابط الأمريكي بحلاقة شارب هذا المجند ضمن قرار يقضي بحلق شوارب كلّ المجندين المشتركين في هذه الدورة العسكرية.
رفض المجند وأصرّ الضابط الأمريكي على حلق شاربه مهما كلفه الأمر. كان المجند يصرخ (مستحيل مستحيل، ماذا أقول لأهلي وللناس، إنه عنوان رجولتي) ولم تفلح كل محاولاته للتفلت من هذا الأمر.. بعد مرور دقائق أجبر المجند على الجلوس على ذلك الكرسي وبدأ الحلاّق يقصّ شاربه شيئاً فشيئاً وقد اكتست وجنتاه بضوء لامع من جرّاء دموعه الغزيرة.. كان معدّ البرنامج قد التقى به بعد أن أصبح بلا شارب وسأله: لماذا فعلت ما فعلت؟ قال: حلق الذقن أمر عادي في الجيش ونحن نعرفه بالبداهة، أما قرار حلق الشارب فلا أفهمه، كما إنه (عيب) عندنا نحن العراقيين، سوف أضطر إلى رفض إجازتي هذا الأسبوع وأحرم نفسي من لقاء أهلي وأصدقائي ريثما ينمو شعر شاربي من جديد.
3- مشهد ثالث يظهر فيه خبير متفجرات عراقي كان قد رافق حملة أمريكية في أحد الأحياء السكنية لإبطال مفعول سيارة مفخخة كانت تقف في حارة ضيقة ذات بيوت متراصّة آهلة بالسكّان في هذا الحيّ، يظهر هذا الخبير العراقي وهو منفعل جدّاً بعد أن فجّر الأمريكان هذه السيارة عن بعد فور انتهاء الخبير العراقي من تفحصها واهتدائه للأسلاك التي تربط شحنة المتفجرات التي تحملها السيارة، الخبير يصرخ أمام عدسة الكاميرا (لماذا؟ لماذا فجّروها في وسط الحي، كان بالإمكان نزع الأسلاك وحملها بعيداً عن الحيّ، لقد طلبت منهم ذلك ولم يأبهوا لكلامي!!) وينتهي المشهد بظهور ضابط أمريكي وهو يحاول إسكاته وإبعاده عن الكاميرا.
لقد استوقفتني هذه المشاهد، وجعلتني أفكر ملياً في ما ترمز إليه، فالمشهد الأول حيث الضابط الأمريكي يكيل شتائم تطفح بالشذوذ الجنسي للمجند العراقي يعكس منطقاً حضارياً هو على النقيض تماماً لما تربّى عليه الشعب العراقي مما جعلني أعتبر هذا الأسلوب متعمداً من قبل الضابط الأمريكي لنزع أسمى قيمة يفتخر بها الفرد العراقي وهي قيمة الشرف، وخصوصاً في ما يخصّ أسرته لأن الشتائم كانت قد انطوت أيضاً على مسّ عرض هذا المجند وأسرته.. والمشهد الثاني حيث الضابط الأمريكي يجبر المجند العراقي على النظر إلى مجلة ذات صور إباحية يرمز إلى إسقاط الشخصية العراقية وتمريغها في الوحل، فالمجند كان شاباً يافعاً في مقتبل العمر، وهو متواجد في ساحة مقدسة كما يظن وهي ساحة التدريب من أجل الوطن وحماية شرفه وعرضه، فأية قيمة لعرض أحد سوف يحفظها هذا المجند لو أنه استجاب لهذا الضابط وأصبح ينظر معه سوية لمثل هذه الصور التي لا تعكس إلا الانحطاط الأخلاقي.
والمشهد الثالث يأتي في نفس الإطار، فإذلال الشخصية يأتي بأساليب عديدة ومن بينها ما يعتزّ به الرجل من الأشكال التي يعتقد وفقاً لقيمه الاجتماعية التي يحملها أنها ترمز إلى رجولته وعنفوانها. إن حلق الشارب عنوة بالنسبة للعراقي ربما يكون أقسى عليه من قصّ اللسان أو قطع الآذان، ومن هنا أقول إن قرار حلق الشارب كان متعمداً لإذلال المجند العراقي حيث كان بالإمكان تفادي هذا القرار لو أن الأمريكان فهموا طبيعة الشعب العراقي واحترموا قيمه التي يحملها..
أما المشهد الرابع والأخير فلا يحتاج إلى تفسير، لأنني مازلت معتقداً أن ثمة سيارات مفخخة في العراق هي من تدبير الأمريكان أنفسهم لغاية في نفس يعقوب لم تعد خافية على الجميع، وهي إثارة الرعب والفوضى في صفوف العراقيين ليطول أمد تواجدهم -أي الأمريكان - في العراق بحجة حفظ الأمن ومحاربة الإرهاب، وإلا لماذا رفض الضابط الأمريكي أن يقوم الخبير العراقي بقطع أسلاك الشحنة المتفجرة بعد أن اهتدى إليها وعرف طريقة ربطها التي تشبه ربما الطريقة التي علموه إياها في الدورة العسكرية التي تخرّج منها هذا الخبير؟ ولماذا فجروها في وسط حي آهل بالسكان؟ ولماذا أبعد الأمريكي الخبير العراقي عن كاميرا المصور لكيلا يبوح بالمزيد؟ أسئلة يجيب عنها الأمريكان في ساحة مليئة بصور إباحية وشتائم وإذلال!!!
|