يكاد يكون الحج من أكبر التجمعات البشرية الدورية، إذ يؤم مكة ملايين الناس من مختلف الأعراق والدول ذوي ثقافات وعادات مختلفة وأحياناً كثيرة متباينة. والقيام على خدمة هؤلاء مهمة صعبة ولا شك في ضوء الأعداد الكبيرة والاختلاف في المستويات الثقافية والتوعوية والمعيشية وغيرها.
ومن المؤكد أن المسؤول الأول عن خدمتهم هي الحكومة بجميع أجهزتها ذات العلاقة، لكن ذلك لا يعني القطاع الخاص والقادرين من أبناء المجتمع على تحمل جزء من هذه المسؤولية كل حسب قدرته وتخصصه. وعلى سبيل المثال فإنه من غير المناسب أن يتلاشى دور المؤسسات الصحية الأهلية في المشاعر حتى لا يرى الشخص سيارة إسعاف ولو صغيرة لمستشفى خاص، هذا فضلا عن توفير وحدات إسعافية وعلاجية في طرق الحجاج بين المشاعر وفي أماكن وجودهم في عرفات ومنى ومزدلفة ومكة المكرمة. ولن أكون طموحاً جداً فأطالب بمرور فرق صحية على المخيمات وتجمعات الحجاج لتفقدهم. ومن غير المناسب أن يتلاشى أيضاً دور محلات السوبر ماركت ومصانع الأغذية حتى لا يرى الحاج حتى ولو محلاً واحداً يوزع مياه الشرب بالمجان فضلاً عن وجبات خفيفة أو مشروبات باردة وساخنة. وما يقال عن هذه المؤسسات يقال عن محلات المطاعم والمطابخ والبنوك ودور النشر وغيرها وفي المقابل، نرى جهوداً فردية جبارة لأفراد عاديين يقومون بما يفترض أن تقوم به المؤسسات والشركات الكبيرة التي ما تفتأ تعلن عن تحقيقها لأرباح قياسية.
إن بناء سمعة هذا الوطن والمحافظة عليها ليست من مهمة الحكومة وحدها، وليست كلاماً يردد في المحافل وعلى صفحات الجرائد لا يصدقه الواقع، وإنما هي ممارسات وسلوكيات يلمسها الحاج والمعتمر، وإنه لن المؤسف أن ينظر البعض إلى الحاج على أنه مشروع استثماري مربح، فيما يرسم أبشع صور الاستغلال ولو كان ذلك على حساب أرواح الناس وصحتهم وعلى حساب سمعة الوطن.
وإذا لم يبادر من يفترض منهم المبادرة في تحمل مسؤولياتهم فلا بد حينئذ من وجود شكل من أشكال الإلزام يجبرهم على تحملها خاصة وأنهم مستفيدون من وجود هذه الملايين.
|