يجب أن نقرر ابتداءً أن ديننا الحنيف دين صالح لكل زمان ومكان، كيف لا وهو آخر الأديان وأشملها وأكملها ونزل للناس كافة. وإنَّ من مقاصد الشريعة
الإسلامية السمحاء جلب المصالح ورعايتها وفي ذلك يقول العلامة ابن القيم - عليه رحمة الله - أينما تكون المصلحة فثم شرع الله. ومن هذا المنطلق فإن انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية وغيرها من التجمعات والتكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية يأتي من باب جلب المصالح الاقتصادية حيث هدفه تفعيل الاقتصاد ونموه وتطوره وبالتالي زيادة أمن ورخاء المجتمع. وإذا ما علمنا أن مبادئ واتفاقات والتزامات منظمة التجارة العالمية إنما تهدف إلى توسيع نطاق التجارة وفتح الأسواق وتنظيمها وضمان حقوق المتعاملين فيها من خلال الوضوح والشفافية والمصداقية والثبات للإجراءات والأنظمة واللوائح وحماية حقوق المتاجرين والمفكرين والمبدعين والمبتكرين والمصممين والمؤلفين وأصحاب العلامات التجارية ومكافحة الغش التجاري ومنع الاحتكار والحد من الإغراق فإن كل ذلك مما يحقق مصالح الأفراد والمجتمعات وبالتالي يتفق مع أحكام ومقاصد الشريعة. وعندما تقدمت المملكة بطلب الانضمام الرسمي لاتفاقية (الجات) في 13-6- 1993م وتم تحويل الطلب للانضمام للمنظمة الجديدة (منظمة التجارة العالمية) في 21-12- 1995م وبدء المفاوضات الثنائية وعديدة الأطراف كان هناك وضوح وحرص وتأكيد واهتمام في أن لا تتعارض أحكام والتزامات نتائج الانضمام مع أحكام الشريعة الإسلامية. لقد كان ذلك واضحاً في جميع قرارات وتوصيات اللجنة الوزارية المعنية بالانضمام والتي يرأسها صاحب السمو الملكي وزير الخارجية وعضوية وزراء وزارات المالية، والاقتصاد والتخطيط، والتجارة والصناعة، والبترول والثروة المعدنية، والزراعة التي عادة ما تتوج بأوامر سامية ترسم حدود المفاوضات وتؤكد في أن يكون كل ما يُتفق عليه في إطار المفاوضات غير مخل بقواعد وأحكام الشريعة الإسلامية وكذلك أن تكون هناك نصوص واقية توضح أن تنفيذ المملكة للالتزامات المترتبة على الانضمام تتم بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية. وليس ذلك بغريب فإن قادة هذه الدولة المباركة - حفظهم الله - وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسمو نائبه صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز دائماً ما يؤكدون النهج الإسلامي لهذه البلاد وأن الشريعة الإسلامية هي الحاكم والمهيمن في جميع شؤون الحياة. ولذلك كان هذا الأمر نصب أعين أعضاء فريق التفاوض والفرق الفنية في جميع مراحل المفاوضات. وبعد مسيرة ماراثونية من المفاوضات استمرت حوالي اثنا عشر عاماً حققت المملكة - بحمد الله - انضمامها الرسمي لمنظمة التجارة العالمية في 11-11-2005م لتصبح العضو الرسمي رقم 149.
هذا وقد جاءت جميع نتائج مفاوضات المملكة للانضمام في ثلاث وثائق رسمية هي:
1 - وثيقة تقرير فريق العمل WT/ACC/ SAU/61
2 - وثيقة الجداول الموحدة للسلع WT/ACC/ SAU/61/ADD1
3 - وثيقة الجداول الموحدة للخدمات WY/ ACC/SAU/61/ADD2
وهذه الوثائق الثلاث التي تتجاوز عدد صفحاتها 600 صفحة هي الوثائق الرسمية الوحيدة للانضمام وليس هناك أي وثائق أو اتفاقات سرية غير هذه الوثائق ويمكن الاطلاع عليها بيسر وسهولة من خلال موقع المنظمة على شبكة الإنترنت WWW.WTO.Org وجميعها متعلق بالاقتصاد والتجارة والاستثمار وما يتصل بها من إجراءات وأنظمة ولوائح وليس فيها ما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية من ثوابت وقيم وأخلاق ولا ما يخل بالأمن والصحة والبيئة حيث تم الاستفادة من المادة (20) والمادة (21) من اتفاقية الجات للحصول على الحماية اللازمة. من جانب آخر ليس لأحكام والتزامات الانضمام أي علاقة بأمور أخرى مثل إنشاء دور للعبادة أو وضع الهيئات الدينية والخيرية أو وضع حقوق المرأة بخلاف ماهو مطبق في المجتمع وما تسمح به الشريعة الإسلامية. وعلى العموم فقد حظيت المملكة في انضمامها لمنظمة التجارة العالمية بما لا يتعارض مع وضعها كدولة مسلمة وبما يؤكد هويتها الإسلامية ويتضح ذلك جلياً من خلال الاستثناءات والإجراءات التالية:
1 - منع استيراد السلع المحرمة (65 سلعة) تمثل الخمور بأنواعها ولحوم الخنزير ومشتقاتها ولحوم الضفادع وجميع الأغذية المحتوية على دماء الحيوانات وعدم قبول أي رسوم جمركية عليها حتى ولو كانت مرتفعة جداً.
2 - عدم حماية الدلالات الجغرافية Geogrqphical Indicators للخمور والمشروبات الكحولية لأنها سلع محرمة.
3 - تضمنت جميع أنظمة ولوائح حقوق الملكية الفكرية التي تم إعدادها لمتطلبات الانضمام نصوصاً صريحة بعدم التزام المملكة بحماية ما يتعارض في تلك الحقوق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
4 - تم حذف الخمور والمشروبات الكحولية من قائمة تصنيف السلع والخدمات الملحقة بنظام العلامات التجارية.
5 - نصت المادة رقم (4) في نظام براءات الاختراع على عدم منح الحماية إذا كان الاستغلال التجاري مخالفاً للشريعة الإسلامية وكذلك ورد في نظام العلامات التجارية في مادته الثانية.
6 - تم استثناء جميع الخدمات الرئيسية والفرعية التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية استناداً إلى الفقرة رقم (14) من اتفاقية الجاتس GATS (الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات).
7 - فيما يتعلق بخدمات الأعمال السمعية والبصرية Audio Works - Visual لم يتم فتح خدمات النشر والمطابع والإنتاج السينمائي والتلفزيوني.
8 - تم حجب أنشطة صالات القمار والبارات والأندية الليلية من الخدمات الثقافية والترفيهية والرياضية.
9 - تم استثناء الخدمات الاجتماعية نظراً لحساسيتها وخصوصيتها في مجتمع مسلم كمجتمع المملكة.
10 - لم يتم فتح خدمات الحج والعمرة حيث تقتصر على أبناء المملكة.
11 - لم يتم فتح نشاط النقل البري وقصر ذلك على المواطنين لوجود جوانب أمنية في هذا النشاط.
12 - تم فتح نشاط التأمين على أن يكون ذلك وفق التأمين التعاوني.
13 - فيما يتعلق بالخدمات القانونية والمحاماة تم استثناء المحامين الأجانب من عدم التواجد في المحاكم الشرعية السعودية للمرافعة.
14 - جميع المستثمرين الأجانب عليهم دفع الضرائب المقررة على أرباحهم أما المستثمرون المحليون فعليهم دفع الزكاة الشرعية فقط.
15 - تقديم الخدمات الرئيسية والفرعية لجميع المستثمرين وفق الأنظمة والإجراءات المحلية، ولا شك أن جميع هذه الأنظمة والإجراءات قد تم صياغتها وبما يتفق مع أحكام ومقاصد الشريعة الإسلامية.
* وكيل وزارة الزراعة لشؤون الأبحاث والتنمية الزراعية عضو فريق التفاوض السعودي |