يؤلمني أشد الألم أن يكون المشهد الثقافي والإعلامي بصورته ومداولاته على النحو الذي نقرأه في مواقع تلك الحوارات التي ليس لها هوية أو مرجعية في الإنترنت، من حيث النظرة والتقييم والتناول بما يخالف ما هو قائم وصحيح.
ويؤلمني أكثر فيما لو وصل اعتقاد بعضنا وقناعته إلى أن هذه هي حالته وصورته الحقيقية اعتماداً على أسماء نكرة تكتب بما لا صلة له بما يجري، وتتبادل حوله طرح الكثير من الاتهامات وفق قناعات ورؤى وتوجهات تبدو بكل تأكيد بعيدة عن ملامسة الواقع.
أكثر ما يؤلمني أن يشم مما يكتب رائحة لحقد دفين يغلي في صدور من يمارس - متخفياً ومتستراً - هذه اللعبة بوجهها القميء ضد رموز ثقافية وإعلامية، مكانها أن تكرَّم وأن يحتفى بإنجازاتها وأن تُقال كلمة طيِّبة في حق هؤلاء.
وحدنا من يملأ الساحات المختصة بالحوارات في الإنترنت بكلام لا يليق أن يصدر ممن يزعمون بأنهم يحرصون على المصلحة العامة، وأن يُقال مثل هذا الكلام منسوباً إليهم بحجة أن دوافعهم - وهذا ادعاء - في كل ما يكتبون هي الحيلولة دون تمادي أو تفشي أي مظهر قد يسيء إلى الوطن والمواطن.
ونحن - لا غيرنا - من تفرَّغ لاستثمار الشبكة العنكبوتية في المواقع التي تخلو من قلم الرقيب للإساءة إلى الناس دون وجه حق ورميهم بما ليس فيهم بلا مبرر، فيما يخفي هؤلاء عن الآخرين هوياتهم وكل ما يمكن أن يساعد على الاستدلال عليهم، ليسقطوا بذلك أهم متطلبات الحوار المبني على الأمانة والصدق للوصول إلى الحقيقة، وبالتالي الاحتكام إلى ما يزيل هذا الباطل وذلك السلوك المشين الذي تتسم به كتاباتهم.
والملاحظ أن أكثر ما يكتب في هذه المواقع الإلكترونية من سيئ الكلام هو عن القيادات الإعلامية بدءاً بوزير الثقافة والإعلام مروراً برؤساء تحرير الصحف المحلية وانتهاء بالكتَّاب، ولو كان ما يكتب من كلام يندرج من حيث التصنيف ضمن النقد الموضوعي المشروع لما كان لنا إلا الاحتفاء به، بل والطلب من كاتبه أن ينشره في أي من الصحف التي يختارها لا أن يخص به مواقع حوارات الإنترنت فقط، غير أن ما يكتبه هؤلاء لا يعدو أن يكون في مجمله شتائمَ وقذفاً واتهاماتٍ باطلةً لا تصدر إلا من أولئك الذين فقدوا الحجة وافتقدوا إلى البرهان في إثبات سلامة وجهات نظرهم فهَرَفُوا بما لا يعرفون.
هذا الرأي مني حول ما يُنشر في حوارات الإنترنت يمكن التأكد من صحته وواقعيته بالرجوع إلى أي من هذه المواقع في أي يوم من الأيام للتعرّف على حصيلة ما تتبارى حوله بعض الأقلام من آراء في بعض القضايا مندِّدة بما يُعرض في التلفاز أو ينشر في الصحيفة أو يكتبه الكاتب لنرى كم نحن بذلك نسيء إلى الوطن والمواطن بإعطاء صورة غير حسنة عن المستوى الذي يفكر به بعض أهلنا.
فما أحرانا في ظل هذه الظاهرة غير الحسنة أن نوظِّف هذه المواقع لنشر الخير وتعميم الفضيلة والسمو بالكلمة وقول كلمة الحق والنأي بأقلامنا وسلوكنا عما يخدش الحياء ويسيء إلى الأخلاق، بديلاً لكل هذا التطاول على الناس باتهامهم في أمور لا صحة لها وبما هم بريئون منه، ومن القول في حق هذا المسؤول أو ذاك الكاتب بما يخالف الواقع.
بل ما أحوج هذه البلاد ومواطنيها إلى حوار عاقل ومفيد يتكئ على الصدق والمحبة والرغبة في البناء والسير نحو آفاق التطور لكل شؤوننا، عوضاً عن الانكفاء والتقوقع وممارسة الكراهية وبث الحقد، ورفض كل المستجدات المفيدة لنا في هذه الحياة بما فيها هذا التجديد الذي تمر به وسائلنا الإعلامية وتحديداً التلفزيون.
اقرأوا ما يكتب عن وزارة الثقافة والإعلام في شخص وزيرها وقياداتها ومن يعمل فيها، وتابعوا ما يُقال من إفك وافتراء عنهم وعن التلفاز، ولا تنسوا أن تراجعوا حصة الكتَّاب من هذا الكلام الذي لا يصح أن يقال، وربما كان من المناسب أن تطلعوا على ما يُقال أيضاً عن رؤساء التحرير ضمن هذه الحملة الظالمة وغير المبرَّرة.
أعرف أن هذا الكلام لن يرضي من رهن وقته وقلمه لهذه المواقع، فأمدها - وإن لم يصرح باسمه أو يكشف عن هويته المتخفية - بما هو أبعد ما يكون عن النقد وأقرب إلى أن يصنَّف على أنه تطاول لا ينسجم مع قيمنا وتربيتنا، فضلاً عن أنه في المحصلة النهائية ظلم لذوي القربى وأي ظلم!!
وللحق فنحن نقرأ - أحياناً - مشاركات هادئة، يتسم بعضها بقدر معقول من الموضوعية، لكنها تختفي ولا تكاد ترى في زحمة الآراء غير الموضوعية التي تتمثَّل في التباكي على ما يعتقدون أن الإعلام يمارسه غير آبه - كما يزعمون - بما يريده المجتمع، وبزعم أنه يخالف الأنظمة والتعليمات والتوجه العام، وهذا ما لا يقول به إلا أولئك الكتبة في حواراتهم بمواقع الإنترنت.
ونحن مع القول بأن وسائل الإعلام ليس كل ما هو مشاهد أو مسموع أو مقروء منها يرتقي فوق مستوى (النقد) أو أنه بلا ملاحظة من هذا أو ذاك، أو أنه منزه من الأخطاء، إذ شأنه شأن بقية القطاعات الحكومية له وعليه، لكن المعالجة والنصيحة والنقد - إن وجد ما يبرر له - لا يتم بالأسلوب الذي تعبِّر عنه آراء وأفكار ومواقف البعض، من خلال ما يكتب في المواقع الإلكترونية، ولن يكون هذا هو التوجه المقبول من المجتمع فضلاً عن المسؤولين، مع أن ما يُقال عن وسائل الإعلام وعلى قياداتها أو من يعمل فيها هو كلام أبعد ما يكون عن ملامسة وتشخيص الواقع.
وللحق والإنصاف فإن التلفاز السعودي - بقنواته المختلفة - أصبح منذ بعض الوقت أكثر مشاهدة مما كان عليه من قبل، بفضل ما تعرضه هذه القنوات لمشاهديها من برامج جيدة، ومن خلال هامش الحرية المتاح لمن يريد من المشاهدين أن يبدي رأياً أو يعبِّر عن وجهة نظر في أي شأن من الشؤون، فضلاً عن تميّزها في الإخراج باستخدام التقنية العالية المهيأة لها والإمكانات التي ساعدتها على بلوغ هذا المستوى من النجاح، بما في ذلك تغطيتها لبعض الأخبار والمناسبات لحظة حدوثها، والأهم من ذلك أن من يطلون من الشاشة على المشاهدين لتقديم الأخبار أو البرامج لم يعد حكراً على فئة محدودة تجازوها الزمن، فقد أصبح عددهم أكثر من ذي قبل - ومن الجنسين - ممن يتمتعون بمهنية عالية وحضور إعلامي جيد ولغة عربية سليمة وتأهيل إعلامي مكَّنهم من النجاح في مهماتهم، وهو ما يحسب للوزير إياد مدني بتشجيعه لهذه الكوادر الإعلامية المتمكِّنة، وإتاحته الفرصة لها للعمل بمثل ما هو مرئي ومشاهد.
وبالمثل فإن الإذاعة والصحف تتمتع هي الأخرى بهامش من الحرية المنضبطة التي تسمح لها بأن تقدّم عملاً إعلامياً مسموعاً ومقروءاً، وقد نجحت في تحقيق ذلك فعلاً، وربما تمكّنت مع القنوات التلفزيونية خلال الزمن القادم بأن تكون في وضع أفضل، وأن تلبّي رغبات المشاهدين والمستمعين والقراء بما هو مؤمل منها ومتوقّع من نجاح لها، وذلك استجابة للسياسة الإعلامية الهادفة التي تتمسَّك بالثوابت المتفق عليها ولا ترتهن لما عداها، بمعنى أن المؤمل منها أن تبتعد بنفسها عن الاستجابة لفكر من يريد أن يكون وصياً عليها من غير علم أو معرفة.
|