سئلت أكثر من مرة من قبل محبّين ورفاق حرفٍ وقراء كرام عن سبب اختياري ل(الرئة الثالثة) عنواناً لأحاديثي الأسبوعية في (الجزيرة)، فقلت إن (الرئة الثالثة) ليست (الميناء) الأول الذي تبحر منه كلماتي المتواضعة إلى قرائها الكرام، فقد سبقتها (موانئ) أخرى، مثل (غصن الزيتون) و(أربعائيات) في مجلة (اليمامة) الغراء أولاً، ثم (الجزيرة)، و(نكون أو لا نكون) في (عكاظ) ثم (البلاد)، قبل أن يرسو بي (زورق) القلم في ميناء (الرئة الثالثة) ضيفاً على (الجزيرة) منذ عشر سنوات.
***
* ورغم ذلك، أزعم أن لبعض العناوين السابقة موقعاً أثيراً ومؤثراً في نفسي، وخاصة (غصن زيتون).. الذي شهد تجدّد عشقي للكتابة بعد عودتي من رحلتي إلى أمريكا مبتعثاً، وقد آثرت ألا يرافقني في (هجرتي) الأخيرة من (اليمامة) قبل نحو عقدٍ من الزمان، لأنه بات جزءاً لا يتجزأ من الذكرى العطرة التي تربطني بتلك المجلة، وخاصة في (عصرها الذهبي) إبان عقدي السبعينات والثمانينات الميلادية!
***
* أما لماذا اخترت (الرئة الثالثة) عنواناً، فلذلك حديث طويل أوجزه في السطور التالية:
أولاً: إن الكتابة كالهواء، لا عوض لي عنه ولا بديلاً، فهي (رئتي الثالثة) التي التقط منها أنفاس الفكر، وأحتفي من خلالها بالحرف الجميل! وهي صراط الوصل مع مَنْ يسعدني الحظ بلقائهم عبر ذلك الحرف.
ثانياً: أنها وسيلة التعبير عن غاية أروم من خلالها خدمة هذا الوطن الغالي بما أراه رافداً لنموّه، محققاً لعزّه، معضّداً لكبريائه، وحرماني منها يعني بتر واحد من شرايين بقائي! وسأحرص من صوبي على صيانة هذا (العقد) مع الكتابة، فلا أعرّضه، وأعرّض نفسي بفقده، لفتنة بوار الذات!
***
* بقي أمر آخر يلحّ على خاطري وهو أن من حق أي قارئ أن يقبل على ما أكتب أو يعرض عنه، مثلما أن لي الحق ذاته كقارئ إزاء أي كاتب آخر، لكن ليس من حق أي قارئ أن يتمنّى عليّ الكفّ عن الكتابة، بحجة أنه لا يعجبه ما أكتب أو كيف أكتب، فممارسة الكتابة (حقٌّ) من يحسنها، لا (منحة) ممّن يقرأها، أما قبولها أو رفضها، مضموناً أو أسلوباً (فحقّ) للمتلقي لا إكراه فيه، رفضاً أو قبولاً!
***
* تلك بديهيّات أسوقها بمناسبة ما يثار أحياناً حول هذه الزاوية من لغط) كقول أحدهم (إننا نفتقد عنصر الإثارة فيما تكتب)! وأقول إن بعض ذلك (اللغط) حقيقة تنم عن حب وغيرة، رغم قسوتها أحياناً، وأن في بعضه الآخر إفكاً ولغواً لا صدق فيه ولا خيراً!
***
* ولكي أكون أميناً مع نفسي أولاً، ثم مع من (ينتقد) ما أكتب، وكيف أكتب، أقول إنه يتعذر على أي كاتب أن يفوز برضى كل الناس، فرضاهم (غاية لا تدرك)! بل إنني أتوقع عكس ذلك وأباركه! وهو مصدر رضى لي وغبطة، لأن اعتراض قارئ على موقف كتبته ينبئ عن دلالتين: إحداهما أنه (قرأ) الموضوع فعلاً، ولم (يعرض) عنه، والأخرى، أن ما طرحتُه شدّ فضوله إلى حد الاهتمام به والتعليق عليه، سلباً أو إيجاباً، فإن كان (معارضاً) للطرح، فتلك فضيلة قد تثريني فكراً أو تقوّمني أسلوباً، وإن كان (مؤيداً) فذلك إثراء لوجداني، كاتباً ومواطناً وإنساناً!
***
* بقي لي في الختام أن أشير إلى حقيقتين هامتين تلازمان ما أكتب، ولا أرى ما يبرّر التنازل عنهما أو التنكر لهما بأيّ حال، حتى لو كلّفني ذلك (لغط) بعض القراء!
* أولاهما: أنني أرفض أي أسلوب طرح يقوم على (الإثارة) لذاتها أو يقود إليها، لأنني لا أرى في ذلك نفعاً لأحد، ولأن ضرره أكبر من نفعه!
* والثانية: أنني أخاطب عبر ما أكتب فطنة القارئ وذكاءه وثقافته، ثم عشقه للحرف الجميل، وله قبل ذلك كل الحق في أن يقرأ أو لا يقرأ ما أكتب، وله بعد ذلك مثل ذلك الحق أن يرضى أو يغضب عما أكتب! وله أخيراً أن يفشي ذلك الشعور سراً أو علناً!
|