في لغتنا الخالدة تدل كلمتا (هَمَز ولَمَز) على معنى واحد، ولكل منهما معاني أخرى ينفرد بها عن الآخر، فالهمز في اللغة (الضغط) و(الغمز)، وقد غمزت الشيء في كفي ضغطته بقوة، ومنه الهمز في الكلام، لأنه يُضْغَط، ومنه العيب، والهامِزُ والهمَّاز (العيَّاب) والرجل الهُمَزَة الذي يعيب غيره كثيراً، وهَمَزات الشياطين خطراتهم بقلوب الناس.
أما اللّمْز في اللغة فهو العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها سخرية واستهزاء، ومنه اللَّمَّاز أي العيَّاب وكذلك اللُّمزة، وكذلك كان المنافقون كما جاء في قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ}(58) سورة التوبة، أي: يعيبك فيها.
من هذه المعاني للكلمتين يتضح لنا ما فيهما من الدلالات السيئة التي لا يستخدمها إلا من كان في قلبه مرض.
والهمز واللّمز بين الناس كثيرٌ جداً في مجالسهم ولقاءاتهم، ولا شك أنه يدخلهم في نطاق الأذى للناس والإساءة إليهم، وإذا كانت الغيبة قائمة على ذكر الإنسان في غيبته بما يكره سواء أكان متحققاً فيه وهو الغيبة، أو غير متحقق وهو البهتان، فإن الهمز واللمز قائمان على الإساءة إلى الإنسان بحضرته دون علمه، كأن يشير أحدنا بلسانه وبحركة من حركات وجهه أو بيده أو بإصبعه إشارة ساخرة من شخص آخر يجالسه دون علمه، وقد يكون الهمز واللمز إساءة إلى شخص بطريقة غير مباشرة، فيصل إليه الأذى منهما وهو عارف به، وفي ذلك كله إساءة إلى المجتمع، وتمزيق للروابط بين الناس، مع أن كثيراً من الناس يتهاونون بهذا الموضوع إلى درجة استباحة الهمز واللمز، واعتباره من ظُرف الإنسان و(خفّة ظلِّه).
إن (الهمز واللمز) من صفات (العيَّابين) المشغولين بعيوب الناس ونقاط ضعفهم، المتخذين من ذلك وسيلة للإضحاك، مع أنهما صفتان ذميمتان لا تخلِّفان في المجتمع إلا خلافاً، وإيغاراً للصدور، وتعقيداً للأمور، فإذا كان الهمّاز اللّمّاز مشغولاً بأهل الخير، منصرفاً إليهم بهاتين الصفتين الذميمتين، فإنه يضاعف بذلك من سوء عمله، ومن أثره السيء في المجتمع الذي يعيش فيه.
وقد صور لنا القرآن الكريم أصحاب هاتين الصفتين بصور قبيحة يستحق أصحابها العقاب من الله عزّ وجلّ.
المنافق همّاز لمّاز، وضعيف الشخصية كذلك، والحاسد من أكثر الناس وقوعاً في هذا المزلق الخلقي الخطير، وكذلك الحاقد، وخبيث النفس الذي يفتقد إلى سلامة الصدر، وصفاء السريرة.
فقد ذم الله رجلاً من المشركين كان كثير الهمْز واللّمز لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بقوله: {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ} (11) سورة القلم. وفي هذا ما يدل على أن الهمز واللمز مرتبطان بالغيبة والنميمة ارتباطاً قوياً، ولهذا ناسب أن يكون الويل جزاء لهذا الضعف من البشر {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} (1) سورة الهمزة. وهما على وزن فُعَلَة وهي من صيغ المبالغة، لذلك استحق هذا المبالغ في الهمز واللمز أن يكون من أصحاب الويل، سواء أكانت بمعنى التهديد والوعيد الذي يستحقه، أم كانت بمعنى النار، أو وادٍ من أودية جهنم والعياذ بالله.
ما أجمل أن ننظف مجتمعاتنا من هذا الداء الخطير، وأن نرفض انتشار الهمز واللمز في مجالسنا لما لها من آثار سلبية على الإنسان والمجتمع.
إشارة
حكمة ينصبها الدهر على جسر العبور ينتهي الظلم على الظالم بالبؤس المرير |
www.Awfaz.com |