أذكر أنني كتبت في العام الماضي عن تأريخ السنوات بأسماء أحداثها كما كان يفعل المؤرخون النجديون في القرون الماضية، إذ كانوا مثلاً يسمون العام الذي اجتاح فيه الطاعون بلاد نجد ب(عام الطاعون) والعام الذي جاء فيه الدبى والجراد ب(عام الدبى) والعام الذي وقعت فيه معركة المليدا ب(سنة المليدا) وكانوا كذلك يسمون سنوات القحط والجفاف بأسماءٍ من عندهم أو من عند الناس وكانوا يسمون القحط ب(الدهر) فيقولون مثلاً سنة دهر (صلهام) إذ (صلهم) الناس من حلالهم وأموالهم، وسنة دهر (شيته) وهكذا دواليك.
وقد انقطعت تلك التسميات حينما تحضّر الناس ووجدوا العمل نظراً لتدفق البترول الذي هيأ لهم الوظائف التي لا يؤثر فيها (الدهر) كما كان يؤثر في مواشيهم ومزارعهم و(يصلهمهم) من كل شيء، وحينما ارتفع مستوى المعيشة والدخل في السبعينيات الميلادية عادوا إلى نفس تسمياتهم القديمة وسموا تلك الأعوام ب(أعوام الطفرة) ولكن أعوام الطفرة تلك لم تدم طويلاً إذ أعقبتها أعوام (الطفر) وكان لذلك أسبابه الوجيهة إذ ان ميزانية الدولة تراكمت عليها ديون حرب تحرير الكويت ولم تنهض من هذا العبء الكبير إلا في العام الماضي تقريباً إذ عادت البلاد إلى (طفرة) جديدة بسبب الأسهم وأصبح الجميع (يركض) خلف السهم بسرعة تماثله في الانطلاق.. وقد انتعش الناس وارتاح (بالهم) ولكن لأن الهوامير والحيتان لا تعيش إلا على السمك الصغير فقد أخذت تجرّه إلى الأعماق السحيقة التي لا يحسن العوم فيها وحينما أنهكته المسافات أخذت الحيتان بابتلاعه وهذه الحركة كنت قد سميتها بالحركة (الأسهمية) وسميت عامها ب(عام الأسهم) إذ دخل السوق كل من يعرف ومن لا يعرف فدخل الجميع أخيراً في دوامة الحيتان. واليوم نرى الأسماك الصغيرة أو بالأحرى صغار المساهمين قد وقعوا في تلك الدوامة المرعبة فمنهم من قضى نحبه ومنهم من يلعق جراحه ومنهم من أصيب بمرض (الأسهموزيا) الذي يؤدي للجنون إذ لم يأت القرار الحازم الصارم الذي ينقذ صغار الأسماك من شراسة الحيتان، ولكن متى؟!
|