وأخيراً جاء إنشاء جمعية للمتقاعدين تعنى بشؤونهم، فلقد جاء إنشاء هذه الجمعية في الوقت الذي يوجد فيه الآلاف من المتقاعدين من موظفي الدولة يعانون من الفراغ وعدم القدرة على التكيف مع الواقع الجديد وخاصة ممن لا يملكون اهتمامات محددة أو هوايات أو أعمال يمكن أن يشغلوا بها وقت الفراغ.
الكثير من المتقاعدين تدهورت صحتهم منذ أن تركوا العمل بسبب الترهل وعدم الحركة والتعود على الجلوس في المنزل، فزادت مشاكلهم مع الأبناء والزوجات!
إن مرحلة التقاعد ليست نهاية العالم كي يعتقد البعض ممن أدموا العمل وظل هاجسهم الوحيد، للدرجة التي تجعل البعض يحاول أن يقنع إدارته بالتعاقد معه والبعض الآخر منهم لو طلب الإحالة على التقاعد فإنه لن يفقد من راتبه إلا مائة أو مائتي ريال فقط ومع ذلك يصر على الاستمرار في العمل وتحمل عناء الحضور يومياً لكي يتقاضى في آخر الشهر مائتي ريال شهرياً!!
لا أدري لماذا يصر الكثير من الموظفين على إكمال المدة المطلوبة للحصول على الراتب التقاعدي كاملاً؟! إن أجمل فترة للتقاعد هي عندما يكون الإنسان قادراً على العطاء واستغلال وقته بعد التقاعد، لا أن يصل إلى سن التقاعد ليبقى في منزله يصارع همومه وآلامه!
أعرف أن هذا الكلام لن يعجب المسؤولين في المؤسسة العامة للتقاعد، أو المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، لأنهم المستفيدون من المبلغ الذي يقتطع من الموظف شهرياً ومع هذا لا يقدمون للمتقاعد أي خدمة، ورغم وجود مليارات الريالات في خزائن هاتين المؤسستين، والتي تستثمر في مجالات الأسهم والعقارات والأسواق، فإننا لم نر المؤسسة العامة للتقاعد تستثمر مثلاً في إنشاء مرافق صحية يمكن أن تقدم خدماتها إلى المتقاعدين بسعر رمزي.
ولم نرها أيضاً تستثمر هي والتأمينات الاجتماعية في إنشاء أندية ومرافق رياضية يمكن أن تكون متنفساً للمتقاعدين وبأسعار معقولة، ولن نقول رمزية!!
وبعد أن صدرت الموافقة بإنشاء الجمعية الوطنية للمتقاعدين، فإن الكثير من المتقاعدين قد فتحت لهم آمال جديدة في أن يحصلوا على رعاية أفضل واهتمام يخرجهم من دائرة النسيان وبصيص أمل قد ينجح، لقد جاء إنشاء جمعية الوطنية للمتقاعدين ثمرة للندوة التي عقدت في معهد الإدارة العامة بتاريخ 16-11-1423هـ تحت مسمى خدمات المتقاعدين والاستفادة من خبراتهم.
حيث أفرزت هذه الندوة توصيات مهمة أبرزها إنشاء جمعية خاصة للمتقاعدين في المملكة العربية السعودية. لقد مر اجتماع اللجنة المؤسسة للجمعية الوطنية للمتقاعدين يوم السبت 17- 10-1426هـ وتسمية أعضائها، وتعيين رئيس لمجلس الإدارة ونائب له وانتخاب مجلس إدارة للجمعية، دون أن يلقى الاهتمام المطلوب من قبل وسائل الإعلام المقروءة، ولم يتناوله الكثير من الكتاب، مما جعلني أجزم بأن الكثير منهم لم يصل إلى مرحلة التقاعد!!
ورغم أنني علمت بالصدفة عن إنشاء هذه الجمعية عن طريق عضو مجلس الشورى وعضو مجلس إدارة الجمعية الدكتور عبدالجليل السيف فإنني ولا أدري كيف مر خبر إنشاء هذه الجمعية على المتقاعدين أنفسهم فلم أقرأ تعليقاً أو تعقيباً من موظف متقاعد. أهداف الجمعية الجديدة الاهتمام بالمتقاعدين العسكريين منهم والمدنيين الرجال منهم والنساء والاهتمام بأوضاعهم الصحية والثقافية والترفيهية والاجتماعية.
أتمنى أن لا تتحول أهداف هذه الجمعية لتحقيق الربح والتركيز عليه، فبدلاً من أن تسعى الجمعية إلى إنشاء أندية رياضية، واجتماعية، ومرافق صحية لخدمة المتقاعدين بأسعار معقولة جداً وتطرح في أسهم يشارك في المساهمة فيها المتقاعد نفسه تجدها تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من الأرباح لأعضائها!
عموماً لا ندري عن الجمعية الجديدة، وهل ستكون جمعية مطروحة للمساهمة يتمكن جميع المتقاعدين من المساهمة فيها، أم أن الأمر سينحصر في أعضاء مجلس الإدارة فقط؟!
لقد خطت وزارة التربية والتعليم خطوات مبدئية ومحاولات جاءت من إحدى إدارات التعليم في إحدى مناطق المملكة بإنشاء نادٍ خاص للمعلمين بجهود ذاتية من قبل إدارة التعليم.
ونتمنى من الجمعية الجديدة للمتقاعدين أن نفتح باب المساهمة في هذه الجمعية لجميع المتقاعدين وأن لا ينحصر ذلك في أعضاء مجلس الإدارة فقط كما هو الحال في الشركات التجارية التي يحصل فيها المؤسسون على نسبة تصل إلى 80% والباقي يطرح للمساهمة العامة.
إن المتقاعد يحتاج إلى استثمار أمواله في المجال الذي يحقق له الاستقرار النفسي والصحي، وهذه الجمعية تعدّ مصدراً مهماً للدخل للكثير من المتقاعدين فيما لو استثمرت الاستثمار المناسب.
فلو قامت هذه الجمعية بفتح مساهمة لإنشاء أندية رياضية واجتماعية، ومستشفيات ومرافق صحية فإن الكثير من المتقاعدين سيساهمون فيها، لأنهم يعلمون بأن الأرباح المحققة ستعود لهم ولن تختصر في أعضاء مجلس الإدارة كما هو الحال في الشركات التجارية المساهمة.
إن الجمعية التي تسعى - ضمن أهدافها - إلى الاستفادة من المتقاعدين وخبراتهم الميدانية والأكاديمية، لن تجد أي صعوبة في إيجاد الكوادر الوطنية المؤهلة لإدارة مرافقها ومشاريعها التي ستقوم بإنشائها كالأندية والمستشفيات، فالكثير من المتقاعدين يملكون الكثير من الخبرات في مختلف المجالات ويمكنهم العمل في تلك المواقع التي تنشئها الجمعية.
إن الجمعية الجديدة ستسعى إلى إيجاد البرامج التدريبية للمتقاعدين الراغبين في الدخول في سوق العمل ومعرفة الجهات الراغبة، وهذا سيساهم أيضاً في تهيئتهم للعمل في مشاريع الجمعية.
إن أنشطة هذه الجمعية وتطلعاتها ستبقى حبراً على ورق واجتماعات متكررة للأعضاء دون فائدة تذكر سوى الظهور الإعلامي، والتصريحات الإعلامية من وقت إلى آخر، إذا لم توجه التوجيه المأمول.
إن هذه الجمعية الجديدة لابد أن تكون على مستوى التحديات، وأن تلبي آمال وتطلعات المتقاعدين في الحصول على خدمات صحية ميسرة ورخيصة وعالية الجودة، والحصول على المكان المناسب والراقي الذي يستطيع فيه المتقاعد أن يمارس فيه الرياضة ويقضي فيه وقته مما ينعكس إيجابياً على صحته ونفسيته. يريد المتقاعد المكان المناسب الذي يستطيع فيه الالتقاء بزملاء الوظيفة القدماء في نادٍ يضم الكثير من الأنشطة الرياضية والاجتماعية والثقافية، حتى لو كان ذلك بسعر معقول يدفعه لأنه يعرف أنه أحد المساهمين في إنشاء هذا النادي وأن ما يحققه من أرباح سيعود جزء منها في النهاية كفائدة له، وهذا ينطبق أيضاً على المرفق الصحي الذي يقدم له العلاج والذي يمكن أن يكون ضمن مرافق النادي.
إن الآلاف من المتقاعدين لديهم الكثير من الآمال والتطلعات.. ولكن هل تنفذ الجمعية ولو البعض اليسير منها.. أم تبقى طموحات الجمعية الجديدة من خلال الورق فقط!؟
|