المملكة وفرنسا.. آفاق أوسع للتعاون

هي زيارة دولة، تلك التي اختتمها أمس الرئيس الفرنسي للمملكة، لكن المشاعر الطيبة بين المضيف والضيف أعطت الزيارة بعداً أعمق حيث سمحت تلك العلاقة المتميزة للزيارة بأن تشكل فرصة يغوص خلالها شيراك إلى عمق المجتمع السعودي بتاريخه وعاداته ومزاجه الشعبي..
وفي مؤتمره الصحفي ركّز شيراك كثيراً على الجوانب الأخرى للزيارة فهناك إشارته للتوأمة بين مركز الملك عبد العزيز التاريخي ومتحف اللوفر سعياً وراء تفهم أعمق لشعبي البلدين وإدراكاً منه لأهمية المسائل الحضارية في التقريب بين الشعوب، وسعياً لإيجاد عمق أبعد للتعاون السياسي والاقتصادي يستقي بعضاً من دعائمه من تراث وتطلعات شعبي البلدين، فمثل هذه الوشائج تعزز من الاتفاقات الثنائية على الصعيد الرسمي وتنأى بها عن عوارض السياسة والاقتصاد، من خلال تجذرها في ثقافة التعاون والتقارب والتبادل الفني والحضاري بين الجانبين وبصورة أوسع تشمل استيعاب أناسٍ أكثر في مختلف ضروب التواصل بين الجانبين..
وبهذا الفهم الذي يقدم به شيراك نفسه وبلاده إلى المملكة فهو يؤكد مجدداً لماذا كانت فرنسا هي الأقرب إلى العالم العربي من بين دول العالم الغربي.. وفي الإشارات السياسية الكثيرة التي احتواها المؤتمر الصحفي للرئيس الفرنسي أمس ما يدعم ويعزز هذا التقارب، فشيراك، عكس أقرانه في الكثير من دول الغرب لم يشأ أن يصدر حكماً مسبقاً على السلطة الفلسطينية الجديدة القادمة عبر الانتخابات، حيث أصدرت العديد من دول الغرب أحكامها ونادت بمقاطعة سلطة حماس متبنية في ذلك الطروحات الإسرائيلية، لكن شيراك لم ينضم إلى التيار الذي ينادي بفرض عقوبات على السلطة الجديدة وهي لم تباشر بعد عملها ما يعني أنها لم تفصح عن أداء يستوجب معاقبتها أو مكافأتها..
وبهذا الفهم وغيره فإن فرنسا مثلت على الدوام شريكاً متميزاً للمملكة، وفي عالم اليوم حيث ترتفع الأصوات اللاعقلانية حول ما يسمى صراع الحضارات بكل ما تنطوي عليه مثل هذه المفاهيم من إفشاء لمشاعر الكره والعداء، فإن العمل المشترك للمملكة وفرنسا يمكن أن يفيد كثيراً في إطلاق حوارات بين الإسلام والغرب وبالطريقة التي تظهر نقاط التلاقي، وما أكثرها، وفي ذات الوقت يمكن البعد من خلال ذلك عن كل مظاهر التوتر التي تجعل من الصعب تبين الجهود الخيرة لإنجاز فكري إنساني رفيع مثل الذي يضع العلاقات بين الشعوب في إطار التفاهم والحوار وليس التوتر والصراع..