منذ أقدم العصور قبل أن تتشكل الدول والقوميات، وتُرسم الحدود بين الدول، وتنظم الجيوش وقوات الأمن بصنوفها المتعددة، حرص الإنسان في البحث عن أسباب تحقق له الأمن في بيئته ومجتمعه، وكان يبذل كل جهد يمكِّنه من الاطمئنان على نفسه وماله وعمله وأسرته من أي اعتداء.
وعندما تطورت حياته وتشكلت الدول والتجمعات صارت الحاجة للأمن أكثر ولم تعد تقتصر مسؤولية توفير الأمن على الفرد بل صارت الشغل الشاغل للحكومات وتبذل الأموال سخيّة من أجل ذلك.
إن الطمع بخير الآخر، ومحاولة تسلّط الأقوياء على مصائر الشعوب الأقل قوّة كما نشاهد ونتابع اليوم وفي كل يوم، يستدعي من الدول المستهدفة التي تنعم بخيرات وثروات أن تهتم بدفاعاتها لتحمي وطنها وشعبها من أي غزو أو أي استهداف.
هنا تقع مسؤولية أمن الدولة على الجيوش النظامية وما يرفدها من قوات مسلّحة، ولكن هذا لا يغطي كل مداخل الحماية والدفاع إذا لم تقم منظومة ما تضع إمكانات الشعب وتؤهل كل فرد منه لممارسة دوره الوطني وواجبه تجاه بلده.
لقد اتفق دولياً على عنوان مؤسسة أو تنظيم أو هيئة يضم هذه التوجهات، فكانت الحاجة إلى (الدفاع المدني) ولعل هذا العنوان يعبِّر عن المضمون، إذ عندما نقول دفاعاً نعني مشاركة على كل مستوى في عملية الدفاع، وعندما نؤكد على كلمة (مدني) تحمل أيضاً مدلولها، فهو تشكيل نظام مدني يقوم فيه كل فرد من أفراد المجتمع بدوره في مجال تخصصه، وهو ضروري في أوقات الحرب وأوقات السلم أيضاً لأنه شريك أصيل وأساسي في عملية البناء في كل وقت.
إن عمل الدفاع المدني واسع ومتعدد النشاطات، وضروري في أوقات الحرب والسلم، فهو كنظام متكامل مسؤول يرعى الواجبات الخدمية التي تهتم بحياة الناس، لتتوزع المسؤولية وتصبح جماعية بحيث يشعر المواطن أنه شريك في هذا الوطن في السراء والضراء، في أوقات الشدّة وأوقات الرخاء.
يمكننا القول إن الدفاع المدني منظومة اجتماعية تحقق نظرية المساواة بأروع أشكالها إذا تحقق لها التنظيم الجيد والإخلاص والتفاني والإحساس بالمسؤولية.
إن ما يدعوني لطرح هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات إضافة لما يمر به العالم من أحداث متسارعة مختلطة وغير مفهومة، ما تعودنا على متابعته سنوياً، وما نأمله من إنجازات للنشاطات المزمع إقامتها في المملكة العربية السعودية للمشاركة مع العالم كله بمناسبة اليوم العالمي للدفاع المدني الذي يكون في 1 مارس 2006م الحافل بفعاليات كثيرة ومتعددة تهتم كلها بالشأن الدفاعي المدني، ومن الجدير بالذكر أن الشعار أو العنوان المطروح عالمياً في هذا العام لهذا اليوم هو (الدفاع المدني والمدرسة)..
ومما لا شك فيه أنه عنوان هام جداً في عملية نشر مفهوم الدفاع الوقائي رديفاً لتحقيق الأمن المثالي، وعملية التوعية التي من الضروري أن تبدأ من المدرسة والأسرة طبعاً لتكون مؤسسة لاستقبال العلوم الدفاعية اللاحقة. وهذا يستدعي الاهتمام كثيراً بالشأن الإعلامي على كل المستويات (المقروء والمرئي والمسموع) الذي يحمل مسؤولية نشر التوعية، والذي ساهم عبر كل الأوقات بدوره بشكل مثالي.
ولابد لي في هذه المناسبة أن أقف بكل إجلال وتقدير لقادة وعناصر الدفاع المدني الذين قاموا بواجباتهم في كل مناسبة خير قيام، والذين قدّموا الكثير من الشهداء وهم يؤدون واجباتهم الإنسانية والشواهد كثيرة، فقد قام الدفاع المدني في كل وقت بواجباته الخدمية بالشكل الأمثل، وأدى الرسالة المرجوة منه، وقد يصح أن نطلق عليهم (عناصر الدفاع المجهولين) وحضورهم اللافت في كل مكان مشاركين في حماية الوطن والمواطن.
تحية إجلال وإكبار إلى أرواح شهداء الدفاع المدني البواسل، وتحية إلى العاملين والنشطاء في الدفاع المدني الرديف الأساس لقوات أمننا الباسلة حماة للجبهة الوطنية الداخلية، وإلى مزيد من التفاعل والنجاح، والله ولي التوفيق.
|