الحديث عن النساء ذوات المكانة في الإسلام كثير، وجمعهن غفير، ومن الصعوبة الإحاطة بذلك؛ لأن الإسلام أعطاهن مكانة ورفع من قدرهن. ولن نستعرض أولاً كرائم النساء من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرهن الشهيرات، ولكن سنمرُّ سراعاً ببعض النساء ذوات المكانة والشرف والاعتداد بدين الإسلام وقيمه، كنماذج فقط.. ومنهن:
أروى بنت عبد المطلب: أسلمت ثم هاجرت إلى المدينة، وكانت قبل إسلامها تعضد النبي صلى الله عليه وسلم. ذكروا أن ابنها كليب بن عمير أسلم في دار الأرقم ثم خرج فدخل على أمِّه أروى فقال: تبعتُ محمداً وأسلمت لله. فقالت له: إن أحقَّ مَن وازَرْتَ وعضَّدْتَ ابن خالك، والله لو كنَّا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لتبعناه وذبَّيْنَا عنه. فقال كليب: فما يمنعك يا أمي أن تسلمي وتتبعيه؛ فقد أسلم أخوك حمزة؟ فقالت: أنظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهنَّ. فقال: كليب: فإني أسألك بالله إلاَّ اتَّبعْتِهِ، فسلمتِ عليه وصدَّقتِه، وشهدتِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم كانت تعاضد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسانها، وتحضُّ ابنها على نصرته والقيام بأمره.
ولما آذى أبو جهل رسول الله ضربه كليب ضربة فشجَّه، وأوثقوه، فقيل لها: ألا ترين ابنك كليباً قد صيَّر نفسه غرضاً دون محمد؟ فقالت: خير أيامه يوم يذبُّ عن ابن خاله وقد جاء بالحق من عند الله. فقالوا: ولقد تبعتِ محمداً؟ قالت: نعم. فذهبوا لأخيها أبي لهب فأخبروه، فجاء يعذلها، فقالت: أنصحك أن تقوم لتدافع عن ابن أخيك وتعضّده، فإن يظهر أمره فأنت بالخيار: أن تدخل في دينه، أو تبقى على دينك. فقال أبو لهب: ما لنا طاقة بالعرب.
ومنهن: أزدة بنت الحارث بن كلدة. لما أجمع أهل ميسان على المسلمين قالت أزدة: إن رجالنا في نحور العدوّ، ونحن نساء، ولا آمن أن يخالفوا إلينا، وليس عندنا مَن يمنعنا، مع خوفي أن يكثر العدوّ على المسلمين فيهزموهم، فلو خرجنا لأمنَّا مما نخاف من مخالفة العدوّ إلينا، ويظن المشركون أنا عدد ومَدَد قد أتى المسلمين، فيخافون أن يكسرهم ذلك اليوم. وهي مكيدة أرادت بها (أزدة) تقوية العزائم. فأجابها النساء على فكرتها، فعقدت لواءً من خمارها، واتخذت النساء رايات من خمرهن، حسب رأيها لهن، ومضين وهي أمامهن وهي ترتجز، ثم انتهين إلى الصفوف وهي تتقدم النساء في المسيرة. فلما رأى المشركون الرايات مقبلةً ظنُّوا أن عدداً من المسلمين أتاهم مدداً، فانكشفوا واتَّبعهم المسلمون فقتلوا منهم عدداً كبيراً وتمَّ النصر.
وهذه الحكاية وخطَّتها من أزدة تشبه ما يُروى عن نساء الطوارق في إفريقيا، مالي وما حولها. وسرُّ لثام الرجال أن القبائل يغزو بعضها بعضاً، فذهب رجال إحدى القبائل ولم يتركوا في القرية إلا النساء، فجاءت قبيلة أخرى مغيرين عليهم، وكان في النساء امرأة اسمها فاطمة، فأمرت النساء أن يلبسن ثياب الرجال، وأن يتلثَّمْنَ ويأخذن العصي الغليظة ويعلون سطوح المنازل، ويردِّدن أبياتاً حماسية تدعو للحرب والاعتزاز بالنخوة رافعاتٍ كأنها سلاح. فهرب الخصم خوفاً من هؤلاء الرجاء الملثمين، فاتَّخذ الرجال اللثام من ذلك التاريخ دون النساء؛ لشجاعة وعزيمة فاطمة (الطوارقية) وحيلتها.
وفي الهند يذكر التاريخ حاكمة بهوبال (سكندر بيكم) التي اعتلت عرش الإمارة بعد وفاة زوجها الأمير (جهان كبر محمد) سنة 1884م، فأدارت بلادها إدارة حكيمة؛ حيث استعملت فيها الحزم إلى جانب اللين والعدل، وتمكنت في مدة ست سنوات من إيفاء كل الديون التي كانت على الإمارة، وألغت كثيراً من الضرائب التي كانت تثقل كاهل الرعية، فقال عنها أحد قواد الإنجليز: إن (سكندر بيكم) أظهرت نشاطاً وحدّة ذهن وحسن إدارة لا تقل عما يظهره أحسن رجل سياسي مقتدر.
ولما حدثت الثورة الكبرى في الهند سنة 1857م رأت من مصلحة بلادها ألاَّ تشترك فيها، مع أن رعاياها التمسوا منها إعلان الجهاد، فاستعملت السياسة والحزم حتى تمكنت من إخماد تلك الثورة الفكرية، بل صرفت كل ما في وسعها للمساعدة، وشكرها الحاكم العام في الهند عام 1860م وأعطيت أوسمة ممتازة، ومع هذا فقد كانت ملتزمة بدينها، وكانت مسلمة حريصة على سمعة بيتها، فسمعت مرة أن ابنتها الوحيدة (جهان بيكم) التي تولَّت الإمارة بعدها قابلت في بيت قريب لها أحد أمراء البيت المالك في دلهي وطلب الاقتران بها، فأمرت بسجنها في غرفتها الخصوصية عدة أشهر، وضربتها ضرباً مبرحاً، وأمرت بوضع ذلك الشاب في قفص، وعلِّق ذلك القفص على باب القلعة عدة أشهر، حتى كثرت عليها الوساطات فعفت عنه وأطلقت سراحه.
وفي عام 1863هـ سافرت الأميرة (سكندر بيكم) إلى مكة المكرمة مع كثيرين من أفراد عائلتها لتؤدي فريضة الحج، ولما قضت حجَّها وقفلت راجعة لبلادها وضعت كتاباً وصفت فيه ما شاهدته في رحلتها، وتوفِّيت في عام 1868م (مجلة المقتطف المجلد 58).
أسماء بنت يزيد: محدثة فاضلة، ومجاهدة جليلة، كانت من ذوات العقل والخطابة؛ حتى لقَّبوها بالخطيبة النسائية. أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا والله وافدة النساء إليك، إن الله عز وجل بعثك إلى الرجال والنساء كافةً، فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فُضِّلتم علينا في الجُمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله عز وجل، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وربَّينا لكم أولادكم، أفلا نشارككم في هذا الأجر؟! فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كلِّه ثم قال: هل سمعتم بمقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقال: افهمي أيتها المرأة وأعْلِمِي من خلفك من النساء أن حسن تبعُّل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته، واتِّباعها موافقته، يعدل ذلك كله. فانصرفت وهي تهلِّل.
وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم 81 حديثاً، وشهدت اليرموك وقتلت يومئذٍ 9 من الروم بعمود خبائها (أسد الغابة).
سلمى بنت أبي حفصة
من فواضل نساء عصرها، تزوَّجها المثنى بن حارثة، ثم خلف عليها سعد بن أبي وقاص بعد موت المثنى، فشهدت معه قتال القادسية. فلما كان يوم أرماث جال الناس، وكان سعد لا يطيق الجلوس إلا على بطنه، فجعل يتململ ويحول جزعاً فوق قصر العُذَيْب. فلما رأت ما يصنع أهل فارس قالت: وامثنياه، ولا مثنى للخيل اليوم، وهي عند رجل قد أضجره ما يرى من أصحابه ومن نفسه. فلطم سعد وجهها وقال: أين المثنى من هذه الكتيبة التي تدور رحاها؛ يعني أسداً وعاصماً؟ فقالت: أغيرةً وجبناً؟ قال: والله لا يعذرني أحد إذا أنت لم تعذريني وأنتِ ترين ما بي، والناس أحق ألا يعذروني.
ولما اشتد القتال بالسّواد، وكان أبو محجن الثقفي قد حُبس وقيِّد في قصر العُذَيْب، فصعد حين أمسى إلى سعد يستعفيه ويستقيله، فردَّه. فنزل فأتى سلمى بنت أبي حفصة فقال: يا سلمى، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلِّين عني وتعيريني البلقاء (فرس سعد بن أبي وقاص)، فلله عليَّ إن سلَّمني الله أن أرجع إليك حتى أضع رجليَّ في قيدي. قالت: وما أنا وذاك؟ فرجع يرسف في قيوده وينشد شعراً.
بعد ذلك قالت سلمى: إني استخرتُ الله ورضيتُ بعهدك. فأطلقته وقالت: أما الفرس فلا أعيرها، ورجعت إلى بيتها. فاقتاد الفرس أبو محجن فأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق فركبها، ثم دبَّ عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة كبَّر ثم حمل على ميسرة القوم يلْعبُ برمحه وسلاحه بين الصفَّيْن، ثم رجع من خلف المسلمين فكبَّر وحمل على ميمنة القوم يلعب بين الصفَّيْن برمحه وسلاحه. وكان يقصف الناس ليلتئذٍ قصفاً منكراً.
وتعجَّب الناس منه وهم لا يعرفونه ولم يروه من النهار، وجعل سعد يقول وهو مشرف على الناس: والله، لولا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن، وهذه البلقاء. وقال بعضهم: إن كان الخضر يحضر المشاهد فنظنُّ صاحب البلقاء الخضر، أو من الملائكة ليثبِّت المسلمين. فلما انتصف الليل حاجز أهل فارس، وتراجع المسلمون، وأقبل أبو محجن حتى دخل من حيث خرج. فقالت سلمى له: بأي شيء حبسك سعد فقد وفيت؟ قال: بشعر جاء على لساني في وصف الخمر.
وبعد ليلة السّواد جاءت سلمى لسعد وصالحته وأخبرته خبرها وخبر أبي محجن. فدعا به وأطلقه (البداية والنهاية).
|