من الإنصاف أن يشار بالبهجة والفرح بالمستوى الرائع البديع الذي ظهر به معرض الكتاب الدولي بالرياض الذي جرت فعالياته الثقافية خلال الأيام الماضية.
لقد كسر المنظمون كما أسلفت في مقالي السابق، النمطية السائدة في بلدنا عن تنظيم معارض الكتب في عدة مظاهر جميلة، ولن أعيد طرح ما سبق أن أشرت إليه من السابق؛ لكن واقع الحال يستدعي الإلماح إلى ما وجدته ولمسته من ثناء وإعجاب من أصدقاء ومعارف أثناء حضور افتتاح الاحتفال ببدء المعرض.
لقد كان الاحتفال ومجرياته في حد ذاته مجالاً للابتهاج، فقد جرى تقديم فقرات الاحتفال بالعرض على شاشة عملاقة احتلت واجهة قاعة الاحتفال، وبحمد الله غاب المقدمون والتزاحم أمام منصة الخطابة، وجرت وقائع الاحتفال بهدوء وسلالة وبهاء.
أحسب أن هذا تقليد بات مطلوب الاتباع في بقية المعارض والاحتفالات، فليس أجمل ولا أروع من النظام، والانتظام في هذا حضارية ورقي في ظني آن قصب السبق يسجل علامة فارقة لوزارة التعليم العالي ولا سيما أن هذه هي المرة الأولى التي تنظم هكذا معرض داخل المملكة - حسب علمي - وهو ليس علامة مسجلة بل هي علامة استفتاح للذي هو خير من قادم الأيام في مسيرة حراك المجتمع نحو الانعتاق من ثقافة الوهم والإقصاء والاستعلاء الموهم بالاستغناء!! وعملاً بالمنطق الأكاديمي في بعض جامعاتنا، فإن ما شاب بعض النقص في أعمال المعرض، لا يمنع من منح المعرض والمنظمين درجة الرضى والقبول بامتياز، فمستوى النظافة والجمال في التصميم والعرض كفيلان بمنح التميز على الأقل.
لقد كان المعرض والمنظمون له، ولهم من الشكر أجزله، أن توافقت - وربما لأول مرة - عدة جهات لها صلة بالشأن الثقافي والمعرفي على الحضور في المعرض، فقد كان لوزارة الثقافة والإعلام جناح في ظني أنه لم يسبق أن كان بهذا المستوى من قبل لا في طريقة العرض ولا في منهجية التعامل.
وهنا فلا بد من الإشارة إلى أن الطريقة الجمالية في تنسيق الأجنحة كانت من التميز بما أدخل البهجة على النفس مقارنة بطريقة العرض في معارض كتب في بعض العواصم العربية من الفوضى والترابية في تغشيها للكتب، وربما العارضين والمرتادين..
ربما أني لم أجد ما يلفت الانتباه في ما عرض من الكتب باللغة الإنجليزية التي تعرض مستجدات الفكر بكل أطيافه ومناحيه الإبداعية وتمتعني جداً؛ ولعل جدة المعرض كدولي يقام في الوطن، تشفع للعارضين والمنظمين، ولا أخال أنه فات من زار المعرض مدى الإقبال الكبير من طلبة الطب والعلوم الطبية على المراجع والكتب في جناح دار المريخ، لكن أين بقية العلوم الأخرى السياسية والاقتصادية والسلوكية والإدارة التسويق وعلوم الهندسة والاتصال والمعلوماتية والبرمجيات وغيرها؟
لا أود الحديث عن الأنشطة المصاحبة، فهي جديرة بالتمعن والمشاركة الفعالة من الوسط الثقافي الذي توافد على عاصمة الوطن الإدارية - الرياض- من أطراف الوطن، ولعل وسائط الإعلام تمارس مهنية أرقى في كشف وإذاعة مناشط الأنشطة، وأنا هنا لم أقل تغطيتها، فقد بات معنى التغطية الحجب والستر، ونحن في عالم حر منفتح تتلاقح فيه الأفكار وتتقارب سبل الصلة والاتصال، وبما أن وزارة الثقافة والإعلام موجودة في المعرض، فالسباق السباق والعمل بعيد عن الروتينية، فالعصر يتطلب الانعتاق من بنى التخلف الفكري والحضاري.
في ظني أن سمات الاعتزاز بهذا الحدث الفكري الثقافي الجميل، أمر لا مشاحة في إعلائه قيمة وشيمة، فلقد كان المجال متاحاً ومباحاً في التفاتة وزارة التعليم العالي إلى ممارسة دور ريادي تأخر كثيراً بكل أسى، ألا وهو الاهتمام برواد الفكر في بلادنا من الأجيال المسنة التي سبقت بأفكارها وأطروحاتها مسارات النماء الفكري الحالي مقارنة بحال الأجيال السالفة من كبر مساحة ألامية الأبجدية وقلة الحيلة في التواصل بين أطراف الوطن.
لقد كابد الرواد من بلادنا شظف العيش وقلة الإمكانات وضعف القدرات، لكنهم غالبوا كل هذه المعوقات ونفلوا الجيل - آنذاك - من خلال ثقافتهم وجرأة وصدق ووضوح الطرح الفكري والنقدي على المستويات كافة، ولعلنا أجيال اليوم الذين كنا تلاميذ في زمن أستاذية أولئك الرواد نرقى بأنظارنا إلى ما قدمه جيل الرواد من أعمال بنظرة التقدير والإعجاب والقدوة المثال، ولا شك أننا قد جمعنا بين حسنات التقدم العلمي والفكري والانفتاح، ونسأل الله لأجيالنا الشابة اليوم الانعتاق من صحوة الانغلاق الفكري الذي ران على ساحات الفكر والإعلام والتعليم والخطاب حيناً من الدهر، والشكر واجب للكتيبات التي طبعت للإعلام بالرواد، وحبذا لو وزعت على إدارات التعليم لتكون هدية الوطن للبنين والبنات ليعلموا أن في بني سابقيهم رماحاً ومحاراً!
إن فعل وزارة التعليم العالي بتكريم رموز من الكتاب والمؤلفين وقادة الفكر والرأي عمل رائد يخرج بالوزارة من دائرة الإشراف على الجامعات إشرافاً هو في حاجة إلى نقلة أكبر في الحركة والحراك الحر للجامعات وأساتذتها وطلابها إناثاً وذكوراً.
لقد كان مفرحاً للنفس والنظر والفكر تكريم رواد أمضوا سنيناً من العمر يسهمون في إثراء الفكر والثقافة بكتبهم وقصصهم وشعرهم، ولم يقيض الله مثل هذا التكريم سابقاً من جهة أكاديمية - التعليم العالي - هي مناط الحكم على وزن الفعل الفكري والثقافي وفق منهجية البحث العلمي الذي هو موضع الرهان للتعليم العالي لقد تجلت صورة الوطن بكل أطرافه في تكريم أحياء كاد النسيان أن يطوي الإعلام بهم في محفل تكريمي، ليكونوا قدوة واقتداء وعلماً به ينفع كثيراً ولا يضر إطلاقاً، فهذا إبراهيم الناصر الحميدان الذي أكاد اسميه أيوب الوطن، فعلى الرغم من ذيوع اسمه وأعماله القصصية الجميلة التي يرمز جل ما فيها إلى معانٍ إنسانية وفكرية تعالج كثيراً من بنى التخلف, وعلى الرغم من أستاذيته في مجال القصة، فإن الرجل قد استحق وسام القدرة على الصمت، ورغم علو قامته، فلم أعرف أنه رفض حضور ندوات القصص السعودي وتشجيعه لأجيال الوطن بنات وبنين.
فالشكر لوزارة التعليم العالي أن كرمت هذا الرجل، ولعل الطلب إلى أيوب الفكر السعودي أن يسامحنا في التأخر عن التكريم، كذلك الحال مع مؤرخ عسير القاضي هاشم النعمي، والدكتور الطبيب عبد الله مناع، وشيخ الفكر والطموح عبد الكريم الجهيمان، والشيخ عبد الرحمن العبيد وعبد الله جفري، وغيرهم.
كان مبهجاً أن تكرم نساء رائدات كانت لهن مكابدة ومغالبة في سبيل نشر وإذاعة نتاجهن الفكري والإبداعي وهن كثر؛ ولكن سعادتي بتكريم الشاعرة الكريمة ثريا قابل هو وسام استحقاق لها قبل أن يكون لوزارة التعليم العالي، أنا لا أعرف هذه السيدة الفاضلة، لكني نشأت أسمع لها شعراً غنائياً له من الروعة ما يغري بالدعاء لها من الأعماق على النطق الجميل والكلم الطيب الذي يخرج من قلبها مباشرة إلى القلوب.
سلطانة السديري أيضاً غالبت قسوة المجتمع كما هي بنت الجزيرة سميرة خاشقجي رحمها الله.
ولعل الدكتورة هناء حجازي من الجيل الجديد الذي يغالب التمترس ضد الإبداع والإفصاح في حرية العشق له والانطلاق من ربقة وهم وهاجس الخوف من نورانية التفكير الإبداعي.
سعد البواردي اسم علق في الذاكرة الجمعية للوسط الفكري والثقافي على مدى أكثر من نصف قرن، فهو من رموز الفكر والثقافة في وطننا وعلى مستوى العالم العربي، وهو رجل وضاع لقدمه في شتى فنون الفكر، ولعله في الشعر له مقام يرتقي ببقية أعماله إلى مراصد الخلود، وهو في ظني شريك لإبراهيم الناصر الحميدان في الصبر، فرغم ما قدم من أعمال جليلة إلا أنه ما زال في لجة من العمل المثمر، فقد بات مطلاً بوهجه الفكري في مجلات وصحف الوطن، ولا يمل من ترديد السلام عليكم، ونرد عليه: وعليك السلام.. في كل مكان تحل به، فأنت من رياض هذا الوطن، ولك روح نضالية كبيرة، وأنت قدوة وعلم في قلبه نور وأنوار مجللة بكل ألوان الفرح. لقد كان في تكريم التعليم العالي للرواد ممن قضى عليهم الموت - غفر الله لهم أجمعين - عمل خير غير منقطع إن شاء الله، ومنهم من سبق تكريمه ولا منة في هذا، لكن هنالك من ينتظر وما بدلوا في النهج تبديلاً، ولذلك ورغم غياب المعلومة للمعيارية التي اتبعت في الاختيار، إلا أن هناك كماً كبيراً من جمهرة المبدعين في الوطن من العلماء والباحثين والكتاب والشعراء، وفي الجامعات أمثلة واسعة لمن أبدعوا، ولكن نعمة النسيان ربما باتت نيشاناً هو في حاجة إلى إعادة تصنيع وتلميع ليكون درعاً واقياً من استمرارية النسيان.
لا أريد أن أذكر أسماء، ففي وزارة التعليم العالي من الرجال والنساء من نحسن الظن بهم في موالاة هذا النهج، فليس هنا أصعب من التوقف عنه أو التخلي أيضاً.
الوزير الدكتور خالد بن محمد العنقري، موهوب شغله المنصب عن إكمال بحوثه الرائعة في الجغرافيا، وبالذات خرائط الجزيرة العربية التي بذل في سبيل جمعها من أقطار العالم جهداً ومالاً، وكنت سعيداً بحضور معرضه اليتيم في باريس منذ بضع سنين، ومن حق الوطن عليه أن يكون من المكرمين ليس كونه وزيراً بل باحثاً وعالماً متميزاً، كذلك أخي الدكتور عبد الله المعجل وكيل وزارة التعليم العالي الذي صمت دهراً ثم نطق درّاً وعملاً صالحاً للوطن غير منقطع من الإشادة والثناء.
كنت أود أن أبعث برقية عزاء للرجل الفذ الدكتور عمرو موسى أمين عام الجامعة العربية على وجود جناح الجامعة خاوياً، لكن موسم الفرح أجل العزاء. وكل عام ونحن عارضون ومستعرضون لكتب قيمة والله المستعان.
|