Friday 10th March,200612216العددالجمعة 10 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

نوازع نوازع
الاقتصاد بين النظرية والحقيقة
د. محمد بن عبدالرحمن البشر

يسير الاقتصاد العالمي مجموعة من النظريات التي قد تتوافق في معانٍ وتتباين في مناخ آخر، وترتفع أصوات التأييد لهذه النظرية، أو تلك كما تعلو أصوات النقد والمعارضة، وتتبنى دولة أو مجموعة دول نظرية بعينها أو تحاربها، وهي بهذا تعتقد أن مصالح أبناء شعبها في امتطاء ذلك النهج الذي سنته لنفسها، وكل ذلك يظل واقعاً تحت مظلة النظريات. والنظرية كما نعلم ليست هي الحقيقة، بل هي مجموعة أفكار يعتقد صحتها ولا يجزم بها، بل يمكن أن تتغير بتغير المؤشرات المحيطة بها، في الاقتصاد العالمي وعبر القرون جسدت نظريات وتم تطبيقها كلياً أو جزئياً، كما سارت أمم على نهج نظريات لم يتم تجسيدها وتأطيرها بل يتم ذلك بالعرف السائد عند تلك المجتمعات. ولقد سارت أمم عبر القرون دون أن ترى لذلك التجسيد ضرورة فتتعامل مع واقع الحال بما ترى فيه تحقيق المصلحة. وأهم من تحقيق المصلحة طبع واقعها بالتكوين النفسي لمتخذي القرار، ولذا فهي تتغير بتغيير نظرة القيادات أكثر منها بالتغير الضروري المرتبط بالمصلحة. وهذا في رأيي عامل مهم جداً في اختيار النهج الذي يمكن تبنيه لدى مجموعة غير يسيرة من الأمم السابقة واللاحقة، فالنظرية في ذاتها لدى المجتمعات هي تجسيد لتكوين نفسي لفرد بذاته غالباً ما تزول بزواله لتحل محلها نظرية أخرى، وقد تكون موافقة في معظم أطرها السابقة وقد تكون متباينة معها.
وفي استمرار النهج المبني على التكوين النفسي للفرد، واستمراره لتوافقه مع التكوين النفسي للفرد أو الأفراد اللاحقين، أو يكون اللاحق أقل حظاً من سابقه في تكوينه النفسي الذي جبل عليه، وإظهار الأثر التراكمي جلياً للعيان. وكان هذا واضحاً في الدول التي كانت تئن تحت وطأة النظام الشيوعي.
والنظريات الاقتصادية رغم كونها ثابتة وبينة الأطر إلا أنها تحتاج إلى تقويم ومراجعة دائمة للتواكب مع الأوضاع السائدة، فمن الخطأ الاعتقاد أن النظرية ما دام ستكون فهي غير قابلة للتهذيب، غير أن البعض يعتقد أن تبني نظرية بذاتها كما هي، هو المخرج الأمثل لحل المشاكل الاقتصادية القائمة في جميع بلدان العالم.
ولو نظرنا للمسالك والنظريات الاقتصادية السائدة في عصرنا هذا لوجدنا نظرية اقتصاديات السوق الحرة، والتي تعتمد على قانون العرض والطلب في تحديد السعر وحفز الإنتاج، هي الإطار الاقتصادي لمعظم الدول المتقدمة، وهي التي كانت وما زالت تسير على خطى ما ذكره آدم سميث في حديثه عن الأيدي الخفية، لكنها مع مرور الزمن قد هذبت لتكون نظرية اقتصادية مؤطرة تتبناها تلك الدول.
وغالباً ما يسير البعض في ركاب هذه النظرية، وكأي اقتصاد في العالم وتحت أي ظرف من الظروف لا يمكن أن ينطلق إلا من خلال هذه النظرية، في الوقت الذي يعتقد البعض الآخر أن تبنيها فيه هدم لمبادئ ومُثل، وأن فيه استغلالاً من قبل القوي للضعيف، وفي وسط هذا الخضم من الأفكار المتباينة التي تدور في أروقة دول العالم الثالث، والعالم الاشتراكي السابق، تستمر القوى الفاعلة في الاتجاه نحو فرض هذه النظرية على المجتمع بأسره، سواء أكان ذلك الفرض من خلال الاقناع بجدواها، أم عبر ربطها بالديمقراطية على النهج الغربي، أم من خلال جمعيات حقوق الإنسان، أم بالتهديد بالمقاطعة. ومهما يكن من أمر فإن إيجابيات هذه النظرية لا تمحو سلبياتها، كما أن سلبياتها لا تنفي وجود إيجابياتها، غير أن صلاحها للتطبيق في مجتمع ما، لا يعني قدرتها على التفاعل مع مجتمع آخر.
إن تطبيق نظرية بعينها وسيادتها في دول تنعت بأنها متقدمة، لا يعني بالضرورة أن تطبيقها في دول أخرى سوف يجلب الخير والنماء لشعوبها، بل قد يكون في النهج المستمد من تراث الأمم ملاذاً للرفع من شأنها في الميدان الاقتصادي.

 



[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved