قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ناصحاً لابن العباس حين أرسله لمجادلة الخوارج: ( لا تجادلهم في القرآن فإنه حمال أوجه)، قالها علي - رضي الله عنه - وهو الحافظ العابد الزاهد المبشر بالجنة، وهو فوق هذا ربيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عمه ونسيبه، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين.
وبلا شك فقد أثبت التاريخ بُعد الرؤية في المقولة السابقة، ولكم من مرة ردد الصالحون هذه العبارة في مواقف عصيبة مرت بها الأمة.
وإذا كان القرآن وهو كلام الله حمال أوجه بحسب فهمنا له وتفسيرنا لما جاء فيه، فإن أقوال البشر التي لا تتمتع بحجية القرآن ولم يتكفل الله بحفظها هي كذلك أيضاً، خصوصاًً إذا كان قائل العبارة قد انتقل إلى رحمة ربه، مما يقطع المجال في أن يوضح ما يلتبس في فهم كلامه، ومن ذلك مثلاً المقولة المنسوبة إلى الإمام مالك رحمه الله:( لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، هذه العبارة أصبحت اليوم سيفاً بأيدي دعاة الرجوع للوراء لمحاربة كل دعوة للتجديد والتغيير والتطوير والتحديث والتمدين، وعلى ضوء فهمهم لهذه العبارة فإنهم يرفضون كل منجزات الحضارة الإنسانية المعاصرة، ويعتبرونها حضارة ناقصة وعبثية ولا قيمة لها، ويرون أن الحضارة الحقيقية قد انتهى أمرها منذ نهاية القرون الثلاثة الأولى للبعثة المحمدية، وأنه لا بد لنا أن نعيش كما عاشوا في ذلك الحين، ونفهم الأمور كما كانوا يفهمونها في عصرهم، دون نظر للمستجدات ومتغيرات الزمان والمكان، بل وفوق هذا، فإنهم يطالبون بأن نحاكم منجزات العصر الحالي على ضوء ما قاله الأولون في زمانهم، وهذه الحالة تقتضي بديهة رفض المخترعات الحديثة وازدرائها، وبهذا لم يعد غريباً أن نجد من يحاكم اختراعات توماس أديسون، ومن ينتصر لقول فيلسوف على آخر بحجة موافقته لقول قاله البربهاري أو ابن بطه، وهناك كتاب تتجلى فيه هذه الحالة بوضوح تام، ألفه أحد المشايخ المعروفين، وهو الشيخ عبدالكريم الحميد، وكتابه هذا يباع في مكتبة العبيكان، ويمكن للقارئ أن يطلع عليه حتى يعرف حقيقة الإفلاس الذي نعيشه اليوم.
ويزيد من التمسك بهذه الحالة الهزيمة الفكرية والسياسية والاقتصادية التي نعيشها، مما يدفعنا بوعي وبدون وعي للنكوص إلى الماضي، والاحتماء بالتراث، والتحصن فيه، خوفاً من مواجهة الحضارة الإنسانية المتراكمة ومنجزاتها الباهرة، لأننا نشعر بتقزمنا أمام هذا القادم الجديد، كما يقول المفكر المعروف محمد عابد الجابري، أي أننا في الواقع نمارس ما قاله الفرنسي ريمون أرون (إعادة حياة الأموات من قبل الأحياء بهدف الاستفادة من خبراتهم)، وهذا الإفلاس يعني وبكل صدق ووضوح مع النفس أننا نعيش اليوم ردة حضارية نقلتنا من بدايات القرن الواحد والعشرين إلى فترة عصور الظلمات، للأسف الشديد.
والخطر الحقيقي، الذي يتبع تحديد التراث كمرجعية وحيدة للعمل، وفي ظل واقع التردي الحضاري الذي نعيشه اليوم في زمان العولمة، ما يقتضيه ذلك من خروج حركات متطرفة تثور على هذا الواقع بمحاولة هدمه على رؤوس الجميع في سبيل تحقيق وهم استعادة أمجاد الماضي التليد، وتنظيم القاعدة المثال الأميز في هذا.
وإذا ناقشنا العبارة السابقة (لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، فإنه يتيسر لنا نقضها بسيرة أحد قادة التحديث الإسلامي الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وأرضاه - فهو على سبيل المثال، من أمر باتخاذ حادثة الهجرة مبدأ التاريخ للدولة الإسلامية، واتخذ بيتاً للمال، وأدخل الدواوين التي اقتبسها من الفرس والروم في الدولة، كما أنه أبقى الأراضي المفتوحة في يد أهلها يزرعونها مقابل الخراج، وقنن الجزية على أهل الذمة، وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم، وعطل حد السرقة في عام الرمادة، وبذلك فهو لم يكن جامداً مع متغيرات عصره، بل كان - رضي الله عنه وأرضاه - متفاعلاً معها أشد التفاعل، وحين رأى مصلحة في عدم تطبيق ظاهر القرآن وفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه عمل بما تقتضي به المصلحة، وأينما تكون المصلحة فثمة شرع الله.
بل ويمكن لنا نقضها بما عمله قائل المقولة نفسه رحمه الله، حيث دون الحديث في كتابه العظيم ( الموطأ)، رغم وجود النهي النبوي الصريح عن هذا الفعل الذي لم يمارسه الصحابة وحاربوه طوال حياتهم، غير أن المصلحة اقتضت ذلك ففعله رحمه الله وضرب بمقولته عرض الحائط حين لم يجدها مناسبة للتطبيق في ظل واقع عصره ومتغيرات زمانه.
التفاعل الحضاري للمسلمين مع غيرهم استمر طوال فترات العصور الإسلامية الذهبية، وحين بدأت حضارة المسلمين بالتراجع والضعف، ظهرت علينا حالة اللاتفاعل المستنكرة، وظهرت حالة الاحتماء بالتراث للتعويض عن النقص، ولنضرب مثالاً على ذلك بمحاولة السلطان العثماني تحديث الجيوش العثمانية على ضوء التجربة الأوروبية، وما تبع ذلك من حملة معارضة لعلماء دينيين وجدوا في هذا التصرف بدعة غير مسبوقة، وعملاً يقترب من الكفر، بحجة أن خير القرون لم يحاربوا بهذه الطريقة، ولم تنتهِ هذه المأساة إلا بمقتل السلطان سليم الثالث تحت ذريعة هذا العمل الذي أدخل في الإسلام ما ليس فيه، ونصبوا خليفة جديداً يتقيد بالمحاربة وفق أساليب خير القرون ثم الذين يلونهم!
وحديثاً فمن منا لم يسمع عن فتاوى تحريم الهاتف والتلغراف والتلفزيون والستالايت والانترنت بل والكهرباء، ومن منا لم يشاهد من حرموا هذه المخترعات وهم ينعمون - بعد فترات المعارضة - بالاستفادة من محرمات الأمس.
الماضوية التي يعيشها بعضنا اليوم هي سر التخلف الأكبر الذي نعيشه، وهي سبب كوننا نقتات على فتات الحضارة الإنسانية، ولن يقدر لنا أن نكون عناصر فاعلة وإيجابية ما لم نتفاعل مع متغيرات العصر، ونتعامل مع الواقع على ضوء المصلحة. علينا أن نقترب من المستقبل، ومن عصر العولمة وغزو الفضاء، هذا الفضاء الذي ما زال البعض منا يكذب أي محاولة جرت أو ستجري لاكتشافه، وإلى الله المشتكى.
|