رجل اشترى من رجل يعرفه بضاعة بمبلغ مؤجل، على أن يسدد بعد مضي سنة المبلغ كاملاً، وعند إبرام العقد معه تفحص الشروط ورضي بها، إلا شرطاً واحداً ضايقه، وهو أن يكون هناك كفيل غارم على هذا المبلغ، فلم يرض المشتري بهذا الشرط، ثم حاول ولم يستطع أن يحضر كفيلاً غارماً، لأنه مبلغ كبير، وقال المشتري للبائع بأسلوب آخر: ألا تثق بي؟ فأجابه البائع: بلى، ولكن من حقي أن أحفظ مالي.
وبعد وقت اقتنع المشتري من البائع بأن يحضر كفيلاً حضورياً فقط، فاتفقا سوياً على ذلك؛ فالبائع يريد أن يمضي العقد لأن لديه بضاعة كثيرة، والمشتري يريد أن يمضي العقد ويفك أزمته وفعلاً أحضر كفيلاً حضورياً ولما علم الكفيل أن كفالته حضورية فقط، رحب واستعد، وقال إن كانت غرامية فأنا لا أستطيع، وأما الحضورية فأنا مستعد لذلك، وتم إبرام العقد وحضر الشهود وتحملوا الشهادة على ذلك، وبعد مضي سنة، بل سنتين، من إمضاء العقد جاء البائع يطالب بحقه فلم يجد المشتري، ولاحظ تهربه؛ فبحث فلم يستطع العثور عليه، فسأل الكفيل الحضوري فطلب مهلة كي يبحث عنه، ولم يجده.
فأحيلت القضية إلى المحكمة، وكان الكفيل في نظره أن الذي عليه هو البحث عن المشتري، فإن لم يستطع إحضاره برئت ذمته منه، فلما سمع القاضي الدعوى والإجابة والدفع، أمر الكفيلَ بإحضار المشتري، وأن هذا دوره، فطلب الكفيل مهلة، فأعطاه القاضي مهلة ثم مهلة ثم مهلة، وفي الأخير أعلن الكفيل بصوت عال، ومرات أنه عاجز عن إحضار المشتري، فهدده القاضي بالسجن، وأنه سيوقف، فرفض الكفيل، ثم حكم القاضي على الكفيل الحضوري بدفع كامل المبلغ المدعى به، بعد أن أعطى مهلة كافية بموجب الكفالة الحضورية، فأبى الكفيل وقال: أنا كفيل حضوري لا غرامي، فقال القاضي: إن الكفالة الحضورية تنقلب شرعاً إلى غرامية حال عجزت عن إحضاره؛ لعموم الحديث: (الزعيم غارم)، ولما قرره أهل العلم في هذه المسألة، وأفهمه القاضي أن له مطالبة المشتري الأصلي بهذا المبلغ مستقبلاً، ولم يحسب الكفيل هذا الحساب، وسقط بين يدي البائع الذكي، ثم لم يقنع بالحكم، واعترض ورفع إلى محكمة التمييز وصدق الحكم من جهة الاختصاص.
ومما يستفاد من هذه القصة أن كثيرين الذين لا يفكرون ولا يقدرون، فتجرهم تصرفاتهم إلى أن يوقعوا أنفسهم في حرج شديد مع من يتعاملون معهم، ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الدين المعاملة)، والأصل في تعامل الناس مع بعضهم بعضاً الأمانة، خاصة فيما يتعلق بأمور البيع والشراء، وقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن التاجر الصدوق الأمين يحشر مع النبيين والصديقين وأنه في الجنة، وعلى المرء أن يتفقه في أمور دينه كي يسلم. وعندما سئل أحد علماء السلف بعد أن ألف العديد من الكتب في الفقه: لم لا تكتب للناس في الزهد؟ فقال: ألفت لهم كتاب البيوع في الحلال والحرام والبعد عن الغش والخداع، وهذا هو الزهد الحقيقي. ومما كثر الجهل به في هذا الزمان أمور الكفالة، وما يتعلق بها، سواء الحضورية أو الغرامية، فمطلوب من المسلم التأني والروية قبل الإقدام والتعلم، ولسنا نؤيد مقولة من قال بسبب مثل هذه التصرفات: اجتنب حروف الشوك، يقصدون الشراكة والوكالة والكفالة، فسماها شوكاً لكثرة ما يحدث من جرائها من المشاكل، وأخيراً فإنه كما قيل: القانون لا يحمي المغفلين .
(*) رئيس المحكمة الشرعية بالعلا |