بثقة وتواضع تحدث الدكتور مرزوق بن تنباك في موضوع كتابه: (الوأد عند العرب بين الوهم والحقيقة) الذي أثار ردود فعل متباينة لدى القراء والمتابعين للموضوع؛ فقد وضع المؤلف مجموعة من الردود والتعليقات التي كتبت ونشرت حول الكتاب في الصحف المحلية مصورة مضمومة بعضها إلى بعض بين يدي رواد ندوة الوفاء الخميسية للشيخ أحمد محد بلجنيد، وعرض قصة تأليف الكتاب ودوافعه، وعدَّه أحد كتابين يعتز بهما من بين مؤلفاته، والآخر منهما هو كتابه: (الفصحى وقضية الفكر العلمي).
وركز د. ابن تنباك حديثه على ما ورد عن الفرزدق من أشعار، وعلى قصة وأد قيس بن عاصم بناته، وما ورد عن وأد عمر بن الخطاب ابنته. وأشار إلى أن هذه الأخبار والأشعار لا تثبت، وأن الأحاديث الواردة في الوأد غير صحيحة وتدخل في باب المدرج، وذكر أن معظم المفسرين اعتمدوا على شعر الفرزدق والقصص التي وردت عن قيس بن عاصم وعمر بن الخطاب في موضوع الوأد.
ويرى د. ابن تنباك أن الموؤودة في آية سورة التكوير {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ} لا تخصُّ الأنثى، وهي تعني النفس المقتولة أياً كانت، وأن ما ورد عن العرب من وأد إنما كان يقع في الولادات غير الشرعية. واعتمد في تشكيكه فيما افتخر به الفرزدق من إحياء جده لعدد كبير من الموؤودات على عدم نقض جرير لفخره هذا فيما نقض من مفاخر الفرزدق!!
وقدَّم في الموضوع جملة من المداخلات المؤيدة والمتسائلة والمستوضحة والمتحفظة والمستنكرة، إلا أنها أجمعت على استحسان أسلوب الطرح، وإبداء المؤلف استعداده التراجع عما وصل إليه من حقائق إذا ثبت له خطأ ذلك بالدليل العلمي. ودعا د. ابن تنباك الجميع إلى إبداء آرائهم كتابياً إليه وبالنشر في الصحف وبتأليف كتاب بالرد، وكان ذلك كافياً لإشاعة جو من الثقة في تبادل الأفكار؛ مما جعل د. ابن تنباك نفسه يثني على أسلوب الحوار الذي ساد الندوة، مرجعاً إياه إلى الأجواء التي تشكلت في المجتمع في الآونة الأخيرة. وأعرض فيما يأتي بإيجاز الأفكار التي عرضت حول الموضوع:
- عنوان الكتاب يوهم أن مؤلفه ينكر وجود الوأد عند العرب من الأساس؛ لأنه جعل الوأد بين الوهم والحقيقة، ولما كان المستقر في الأذهان هو وقوعه على الحقيقة يذهب الذهن إلى أن المؤلف يعده وهماً. وكان بإمكانه تفادي ذلك بجعل العنوان: (حقيقة الوأد عند العرب)، خصوصاً أن بعض الأوساط بدأت تستغل العنوان لغرض بعيد عن قصد المؤلف.
- إن المعاجم اللغوية تجمع على شرح كلمة الوأد بدفن الأنثى في التراب وهي صغيرة؛ مما يجعل الرابط بين آية الموؤودة والآية التي ذكرت دسَّها في التراب قوياً لازماً.
- إننا غير ملزمين بمعرفة الأشعار والأخبار، ولتكن كما قال المؤلف غير صحيحة في تفاصيل بعضها وأصل بعضها الآخر، وما ورد في القرآن الكريم من آيات كافٍ لإثبات وقوعها عند العرب الذين خاطبهم القرآن الكريم آمراً وناهياً؛ فالأمر يقضي طلب إنشاء فعل، والنهي يقضي طلب ترك فعل، ولكل من الأمر والنهي أساليبهما المباشرة وغير المباشرة. ومن هنا نجد في القرآن الكريم ذكر القتل على ثلاثة مستويات:
الأول: النهي عن قتل النفس عامة: {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}، وجاءت بهذه الصيغة في سورة الأنعام في الآية (154)، وفي سورة الإسراء في الآية (23).
والمستوى الثاني: النهي عن قتل الأولاد مخافة فقر واقع: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}في الأنعام الآية (151)، ومخافة فقر متوقع: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم}في الإسراء الآية (31). ونلاحظ أن النهي عن قتل النفس عامة في الموضعين من السورتين جاء في سياق النهي عن قتل الأولاد؛ مما يدل على اختلاف نوع القتلين، كما ذكر قتل الأولاد صراحة في آيتين أخريين في سورة الأنعام، هما آية رقم (137): {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أولاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ}، ونلاحظ في هذه الآية ورود عبارة (لكثير من المشركين)، والآية الأخرى برقم (140)، وهي: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أولاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}وورد كذلك ذكر قتل الأولاد في آية مبايعة النساء في سورة الممتحنة برقم (12)، وفيها: {عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أولادَهُنَّ}
والمستوى الثالث هو النهي عن قتل الإناث من الأولاد لمزيد من الخصوصية التي كان بعض العرب المشركين يتعاملون بها مع البنات؛ إذ كانوا ينظرون إليهن نظرة امتهان، وهي التي أنكرها الله سبحانه عليهم في مواضع عدة في القرآن الكريم، وورد النهي عن قتل الإناث صراحة في سورة التكوير: {وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَي ذَنبٍ قُتِلَتْ}الآيتان (8، 9)، وفي سورة النحل: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ}(58، 59). ففي آية التكوير ذكر قتل البنات، وفي آية النحل ذكر كيفية القتل بالدس في التراب، وهو ما يفسِّر به اللغويون الوأد في المعاجم.
- إن البحث يكون عن شاهد الإثبات، وهو هنا هذه الآيات القرآنية التي تثبت ممارسة بعض العرب للقتل عامة، ولقتل الأولاد ذكورهم وإناثهم خاصة، ولقتل الإناث بالأخص وبطريقة أخص. أما عدم ورود القضية في مظان كان يتوقع ورودها فيها فهي شهود سكوت لا نفي، وحتى شهود النفي لا تعد شيئاً لأن المُثبِت يُقدَّم على النافي إذا استويا، فكيف إذا كان المثبت هو القرآن الكريم والنافي أو الساكت غيره؟! بل يذهب المؤلف إلى رد الشهود الآخرين على اختلاف درجات صدقهم وكذبهم بدءاً من الأحاديث وانتهاء بالأشعار والأخبار.
- يحمل المؤلف معنى (الموؤودة) في آية التكوير على النفس المقتولة وعدم تخصيصها بالأنثى، وهنا صواب ما يريده المؤلف من عموم النفس لا ينفي ما أجمع عليه المفسرون من إرادة نفس الأنثى، فالمعنيان يثبتان ولا يدفع أحدهما الآخر.
- حمْل المؤلف الوأد على الولادة غير الشرعية مقبول في دخوله في النهي عن قتل النفس عامة، وقتل الولد خاصة، وقتل الأنثى بالأخص. ولكن المذكور في آية النحل لا يقبل هذا؛ لأن فيها التبشير بالولادة، ومَن ذا الذي يبشر أباً بولادة غير شرعية؟! فضلاً عن ذكر الآية تردُّد الوالد بين إمساكها على هون ودسها في التراب. وقد علم أن المذكورين كانوا يكرهون البنات عامة، وما زال الناس يتناقلون هذه النعرة الجاهلية مع الأسف!.
- أكد الدكتور مرزوق بن تنباك أنه استقصى البحث، وذلك رداً على تحفُّظ من الاستقراء الناقص في البحث.
- رد المؤلف على القول بثبوت الوأد في القرآن بشكل قطعي أن القرآن قطعي الثبوت ظني الدلالة، دون أن تتاح الفرصة للتفريق بين ما هو قطعي الدلالة وقطعي الثبوت، ومرَّ هذا القول سريعاً، وهو أمر مهم جداً في مسألة البحث، ويثير تساؤلاً حول ما إذا كان المؤلف يفرق بين قطعي الدلالة وظني الدلالة أم لا؛ لأني أرسلت إليه وريقة بذلك فنظر فيها ولم يعقِّب!.
- أبان المؤلف فائدة الكتاب والجدوى منه أن فيه دحضاً لخطأ كبير في تجريم قوم برآء، مع الاعتراف أن لديهم سيئات أكبر مثل الشرك والكفر وغير ذلك.
- وأخيراً يرد في التفسير الوأد بمعناه الخاص المشهور في قتل البنات، وبمعنى قتل الأولاد خشية الفقر، وبمعنى إسقاط الجنين، وبمعنى العزل ومنع الحمل، وهو ما سُمِّي بالوأد الخفي!. والله نسأل أن يهدينا إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
شمس الدين درمش - الرياض |