سعادة رئيس تحرير جريدة الجزيرة سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كم كان سروري أن أرصد سلسلة من المشاركات بعد أن أدلى الكبار بآرائهم في القضية التي سبق لي التحدث عنها بشكل عام.
وكم كنت أتوق لمثل هذه الردود الرائعة.
لذا أحيي أساتذتي كلا من: الدكتور حمد محمد آل فريان والدكتور محمد سالم, وأقدم تحية تقدير وإجلال لأنهما أعطياني من نبعهم ماء زلالا أرتوي به من أفكارهم الرائعة؛ لذا أقدم الشكر لجريدة (الجزيرة) أولا على إتاحة الفرصة للجميع، ثم أشكر الكتاب الفضلاء أن خصصوا من وقتهم الثمين لأن يكتبوا في موضوع أشغلني كثيرا بما أني دارس لتلك العلوم فشكرا لهم على المداخلات العلمية الإبداعية في موضوع تعريب العلوم التطبيقية نظراً لأهميته البالغة.وعطفا على ما بدأت به سابقا ومما يلفت النظر في جامعات الدول العربية وكلياتها العلمية والتقنية وفي أغلب جامعات وكليات العالم العربي أن يكون الطالب عربيا، والأستاذ عربيا، والجامعة أو الكلية تخدم مجتمعا عربيا، ولكن الطالب العربي يدرس العلوم والتقنية فيها باللغة الأجنبية و من أغرب المفارقات التي تستدعي البحث أن تستمر الدول العربية في تدريس أبنائها بلغة أجنبية مع أنها تمتلك لغة من أفضل اللغات. ومما يبرز المفارقة للطالب العربي أن نظراءه في جميع دول العالم يدرسون في مراحل تعليمهم العالي العلمي والتقني وغيرهما بلغاتهم الأم، أما الطالب العربي فيتلقى معظم تعليمه العالي وخصوصا العلمي والتقني في غالبية الدول العربية باللغة الأجنبية كما أن من التناقض أن نسعى إلى تحقيق التنمية من خلال توطين التقنية في بلادنا ولكن في الوقت نفسه نصر على تدريس العلوم والتقنية باللغة الأجنبية التي قد لا يتقنها طلابنا متجاهلين إن الاستمرار في ذلك يضعف حصيلة طلابنا العلمية والتقنية ويعزل العلم والتقنية عن المجتمع ويحد من إشاعتها وتيسيرها للدارسين ويلغي تأثيرها وتفاعل المجتمع معها. ومن المؤسف أن القيادات الجامعية والعلمية والتقنية في هذا البلد بوجه خاص تجاهلت هذه المشكلة التعليمية والتنموية الملحة ولا يزال قسم كبير منهم يعتقد أن التقدم عملية آلية تنجز عندما نجبر طلابنا على تلقي العلوم بلغة أجنبية ولكن عند النظر في تاريخ الأمم والحضارات قديمها وحديثها نرى أن جميع شواهده تشهد بجلاء أنه لم تتقدم أمة ما لم تيسر العلم لأبنائها بلغتهم الأم. ولذا فإن تعريب التعليم العلمي والتقني في هذا البلد مطلب تنموي وحضاري لا يحتمل التأجيل هدفه غرس العلم الحقيقي بلغتنا العربية لبناء المواطن الذي سيكون سلاحه في عصر ما بعد التكتلات السياسية والثقافية والاقتصادية والعولمة هو الإيمان بالله والعلم والتقنية والتصنيع لخدمة دينه ومجتمعه.
ولست في حاجة لسرد الأدلة والبراهين والحجج على إمكانية التحول للغة العربية في مجال الطب على المدى البعيد، فالتاريخ يشهد أن اللغة العربية كانت هي لغة الطب في العصور الوسطى ويمكنها مستقبلا أن تحل محل اللغة الإنجليزية، فضلا عن أن الأيام دول ولا نعلم مستقبلا ما هي اللغة التي ستحمل لواء العلم فلماذا لا نستعد من الآن!
وعلى ذلك فإنني أقترح بعض الاقتراحات التي قد تشكل نواة التعليم الطبي باللغة العربية في المستقبل، وهي:
1- تنظيم لقاءات وزيارات وندوات مع جامعة دمشق للاستفادة من تجربتهم في هذا المجال، والتي أعتقد أنها ناجحة وذلك لمخالطتي بعض الأطباء ممن تخرجوا فيها هناك.
2- تأسيس قسم في كليات الطب، للطب العربي والإسلامي، لا يقتصر عمله حول الطب العربي القديم وإنما يقدم دروسا ومحاضرات لطلبة الطب في المراحل الأولى في المصطلحات الطبية العربية ويقوم بترجمة البحوث المهمة باللغة العربية والتعاون والاتصال بالكليات العربية المهتمة بهذا الموضوع.
3- تشكيل لجنة طبية من مختلف الكليات الطبية العربية بهذا الشأن هدفها تشكيل النواة الأولى لكلية طبية عربية ترعاها جميع الدول العربية المهتمة.
4- الاستفادة من الإنترنت في هذا المجال وذلك بتشجيع نشر المواقع الطبية العربية، وذلك من قبل الأطباء المهتمين.
5- طرح هذه القضية المهمة في جميع الندوات واللقاءات الطبية وبين طلبة الطب لأنهم أطباء المستقبل.
6- عدم الالتفات للمحبطين ومدعي صعوبة التحول للغة العربية، وأعتقد أنهم كثر هذه الأيام!!
هذه بعض الاقتراحات الشخصية التي أخطها هنا، وقد يكون قد عمل ببعضها في بعض الكليات الطبية العربية، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي أحلم بها في بلدي، وأعتقد أنه آت بعون الله ولو بعد حين.
ولا يخفى على كل ذي لب أن التاريخ الإسلامي يزخر بالعديد من الأطباء والمهندسين ففي أيام الأندلس كان الغرب إذا أراد أن يبين أنه متعلم ومثقف أخذ يقول بعض الكلمات العربية وكان الطب في ذلك الوقت متقدما.
حيث كان القرن الثالث الهجري من أكثر العصور الإسلامية ازدهارا، ففيه ترجم العرب علوم اليونان والهند وفارس، وتفاعلوا معها وأضافوا إليها، ثم أبدعوا وابتكروا، ثم نشروا المعرفة والنور في جميع أنحاء المعمورة، ذلك لأنهم كانوا يكتبون ويؤلفون ويتعلمون بلغتهم الأم.
وفي العصر الحديث أنشئت في مصر أول كلية طب في أبو زعبل أيام محمد علي الكبير عام 1827م. واستمر تعليم الطب فيها باللغة العربية نحو 60 سنة، وكانوا يستقطبون الأساتذة الأجانب فيترجم لهم في قاعات المحاضرات، وقد ألف في هذه الفترة 53 كتابا في الطب وبدأ الاستعمار البريطاني لمصر عام 1882م وفي غضون خمس سنوات تحول تعليم الطب من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية. وفي عام 1866م أنشئت في بيروت الكلية السورية الإنجيلية ثم سميت فيما بعد بالجامعة الأمريكية ببيروت، وأنشئت بعدها عام 1883م مدرسة الطب اليسوعية، وكان الطب يعلم فيها باللغة العربية إلى أن غزا الاستعمار لبنان، وتحول تعليم الطب في هاتين الكليتين إلى الإنجليزية والفرنسية.
وفي سنة 1924م افتتحت كلية الطب في الخرطوم وسميت مدرسة كتشنر الطبية تلتها في عام 1927 كلية طب بغداد وكان التعليم فيها باللغة الإنجليزية. بيد أن كلية الطب التي تأسست في دمشق عام 1919م بدأت تدرس الطب باللغة العربية واستمرت فيه حتى اليوم على الرغم من محاولات الانتداب الفرنسي- عندما كان قائما- لفرض اللغة الفرنسية فيها.
ولا شك أن هذا يؤكد ما ذهب إليه ابن خلدون في مقدمته من أن المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب، وفي ذلك يقول (إن النفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظرة بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب).
وأيضا ما ذهب إليه ابن حزم بقوله: (إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط أهلها ودخول غيرهم في مساكنهم).
وقد يظن البعض أن تعليم الطب باللغة العربية في سوريا أدى إلى تدني مستواه ولكي أحقق في الأمر، بحثت عن نتائج الأطباء السوريين في امتحان ECFMG (امتحان المجلس التعليمي للأطباء الأجانب) وهو امتحان تعقده الولايات المتحدة الأمريكية عدة مرات كل عام، ويتقدم إليه في كل مرة نحو عشرة آلاف طبيب من مختلف أنحاء العالم، ومن يجتازه يحق له العمل أو الدراسة الطبية العليا في الولايات المتحدة الأمريكية.
وجدت أن مستوى الأطباء السوريين لا يقل عن مستوى زملائهم الأطباء من مختلف أنحاء العالم أي أن تعلم الطب باللغة العربية لم يكن عائقا أمام الأطباء السوريين يحول دون أدائهم للامتحان واجتيازهم له بنجاح. لذا فالواقع أن تدريس الطب في البلاد العربية بلغات أجنبية هو هزيمة نفسية أولا وقبل كل شيء خاصة إذا علمنا أن الطالب عند تخرجه لا يملك في الغالب أن يكتب صفحة واحدة باللغة الإنجليزية دون أن يرتكب العديد من الأخطاء، كما نجده يتجنب الحوار والمناقشة لضعف لغته؛ ذلك لأنه يدرس بلغة إنجليزية ضعيفة، هي هجين من اللغتين العربية والإنجليزية، ولبطء قراءته نجده يعتمد على الملخصات وقليلا ما يعود إلى المراجع، وإلى بضع سنوات خلت كنا إذا ما أثرنا موضوع تعليم الطب باللغة العربية وجدنا من يقول لنا هيهات، فلن يحدث هذا في بلادنا أبدا واليوم أصبحت الغالبية العظمى من المؤسسات التعليمية في بلادنا تدعو إلى تعريب الطب.
وفي السنوات الأخيرة اتفق كل من وزراء الصحة وعمداء كليات الطب في الدول العربية، وخبراء منظمة الصحة العالمية في اجتماعاتهم التي عقدوها في كل من الخرطوم ودمشق والقاهرة على أن يكون تعليم الطب باللغة العربية. وأجمعوا أمرهم على البدء بتعريب كل من الطب الشرعي وطب المجتمع ثم بقية العلوم الطبية، على أن يكتمل التعريب قبل نهاية هذا القرن، أي في خلال السنوات السبع القادمة. ولدعم مشروع التعريب قام المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالإسكندرية بتخصيص جانب من ميزانيته لتعريب العلوم الطبية.
ومع هذا فلا يزال بيننا مناهضون لتعليم الطب باللغة العربية إما عن استكبار أو عن عدم وضوح رؤية، أو عنهما معا، ومن أجل هؤلاء نكتب هذه الرسالة.
الجميل في الموضوع أنه يطرح من قبل أطباء وطلاب طب في بداية حياتهم.. ونحن نحلم والمشروع يبدأ بخاطرة وتتطور الى فكرة.. ومشوار الألف ميل يبدا بخطوة... ليس من المستحيل ولا من الصعب... أبرع أطباء في العالم هم الأطباء العرب بلا منازع بل واقسم على ذلك وهناك بعض الأسماء اللامعة.. مثل الدكتور الربيعة صاحب أشهر عمليات الفصل.. والدكتور أحمد الطيبي عالم في الوراثة - جامعة تورنتو بكندا - والدكتور جابر القحطاني في الصيدلة - جامعة الملك سعود - والدكتور العالم الفاضل الدكتور القحطاني عالم في الوراثة جامعة الملك عبد العزيز.. والدكتور الفاضل محمد علي البار - جامعة الملك عبدالعزيز.. والدكتور العلامة عبدالمجيد الزنداني.. مؤسس هيئة الاعجاز العلمي ورئيس جامعة الإيمان. وختاماً أرى الحل يكمن في البحوث والترجمة فلماذا لا تصرف الدولة على كل الأبحاث وتلزم الشركات الطبية على البحوث وأن تقام أقسام بحثية في الجامعات في كل مدينة من مدننا. من هنا يمكن أن تنهض الأمة من غفوتها قبل أن تجد نفسها في خبر كان.
هذا ما أردت ان أضيفه إلى ما أضافه الكبار. والله من وراء القصد
عبدالعزيز أحمد محمد الغراس جامعة القصيم كلية الطب |