من نافلة القول هنا ان التنمية المستدامة غاية تسعى لها حكومات العالم وشعوب الأرض قاطبة، وللوصول إلى هذه الغاية وسائل تختلف من زمن لآخر، ووسائلنا في عالم اليوم لتحقيق ذلك بعد عون الله وتوفيقه يمكن إجمالها في الثلاثة الأركان المهمة:
أولاً: الإرادة الإنسانية القوية المبنية على وجود الإنسان الواعي المنفتح المنتمي لدينه وأمته ووطنه، الجاد في عمله، ذي الفاعلية الإيجابية في ميادين الحياة المختلفة.
وثانياً: الإدارة المنظمة للعمل الضابطة لحركة بني البشر في تموجات دولاب الحياة ذات الإيقاع السريع الذي جعل الجميع يتفق على وصف عالم اليوم بأنه زمن السرعة.
أما ثالث هذه الوسائل: فالتقنية الحاسوبية، إذ إننا نعيش اليوم عصر الثورة الإلكترونية المختلف عن كل العصور، وفي هذا السياق لفت انتباهي نهاية الأسبوع الماضي خبر قصر بيل جيتس (أغنى رجل في العالم) والذي ذكرت معلومات موجزة عنه ونشرت صورة لركن من أركانه جريدة الرياض في عددها الصادر يوم الخميس 23-2-1427هـ وعلى وجه التحديد في صفحة (البيت) تحت عنوان (تكنولوجيا)، الشاهد في هذا الخبر أن بيل المعروف عند الكثير زوّد قصره الجديد بتقنيات متطورة وبرمجيات معقدة يصعب تقليدها.. لقد طغى الكمبيوتر على كل شيء في منزله.. ويكفي القول إنه يضم أكثر من مائة حاسب آلي تتحكم تلقائياً بكل صغيرة وكبيرة كما يضم مجسات خاصة تشعر بقدوم الإنسان فتضيء الأنوار وتصدح الموسيقى وتفوح رائحة عطره المفضل.. إضافة إلى أن في القصر كشافات ليزرية مخفية تعطي كل مرة لوحة مختلفة ومناظر متحركة حتى الجدران تتغير ألوانها ودرجة حرارتها بما يتناسب مع ساعات النهار وفصول السنة، وبسبب حب زوجته لأسماك الزينة يوجد الكمبيوتر أحواضاً افتراضية في الأماكن المرغوبة تضم كل يوم أنواعاً جديدة!!
وفي اعتقادي الشخصي أن هذا الخبر يدل دلالة واضحة على أن حضارة هذا العصر ستختلف عن عصر من سبق ممن كانوا يتفنون في تشييد القصور من الطين أو حتى من الحجارة والصخور، فهي تتجه لبعد آخر مختلف عن الحضارات التي دوّنها التاريخ وربما سوف تتكئ بشكل شبه كامل على آليات التقنية الحاسوبية خاصة.. وقصر بيل جيتس، ومن قبل العمل عن بعد، والتعليم عن بعد، والطلب الاتصالي، والحكومة الإلكترونية، والتجارة الإلكترونية، إضافة إلى ما سيكون في مستقبل الأيام يضع التحدي الحضاري الحقيقي أمام المؤتمر الوطني الثامن عشر للحاسب المنعقد تحت مسمى (تقنية المعلومات والتنمية المستدامة) والذي افتتح مساء أمس الأحد برعاية كريمة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الرئيس الفخري لجمعية الحاسبات السعودية، وسوف تبدأ جلساته العلمية هذا الصباح بإذن الله، ولو خرج المشاركون في هذا المؤتمر الوطني المتخصص في تقنية المعلومات برؤية استشرافية واضحة المعالم لمستقبلنا الحضاري مبنية على تشخيص صحيح ودقيق لواقعنا التقني العلمي ودراسة تقويمية عادلة ومتفحصة لتجاربنا المبعثرة وغير المرشدة في استخدام الحاسب للبناء والتطوير، وكشف حقائق المتسللين لواذاً إلى المؤسسات التعليمية الخاصة والتشغيلية لكسب المال بغير وجه حق ومنح الشهادات والتقديرات المضللة التي تشهد زوراً وبهتاناً أن فلاناً من الناس حصل على تقدير ممتاز في امتلاك المهارة الحاسوبية في البرمجة مثلاً أو حتى في إدخال البيانات، وتقويم لمؤسساتنا الحكومية المعنية بتدريس الحاسب الآلي ومناهجنا المقررة في مدارسنا ومعاهدنا وكلياتنا، بل وحتى بعض جامعاتنا لو تحقق ذلك، لكن هذا المؤتمر نقطة انطلاقة واعية وقوية نحو تأسيس بناء تنموي سليم على قواعد ثابتة لا على جرف هارٍ، وبهذا فقط - حسب اعتقادي الشخصي - بهذه الشفافية الواعية والحرية المسؤولة نضع أقدامنا جميعاً على رحلة التنمية المستدامة الواعدة ذات المسار الطويل والشاق، ولكن - كما قيل - رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة ولكن جزماً لا بد أن تكون من قدم سليم وعلى الخط المستقيم وأن نضع القدم اليمنى التي ترمز للخير في حس الإنسان المسلم قبل الشمال، دعواتي الصادقة لهذا المؤتمر الوطني بالتوفيق في الخروج بالتوصيات العملية الناجزة والمهمة، والشكر من الأعماق لخادم الحرمين الشريفين - حفظه الله ووفقه ورعاه - على قبوله الرئاسة الفخرية لجمعية الحاسبات السعودية وموافقته الكريمة على رعاية هذا المؤتمر، والشكر موصول لجمعية الحاسبات السعودية واللجنة العلمية للمؤتمر وعلى وجه الخصوص سمو الأمير الدكتور ماجد بن عبدالله آل سعود رئيس مجلس إدارة جمعية الحاسبات السعودية على ما بذلوه من جهد، وللمشاركين في هذا المؤتمر الوطني مستمعين ومناقشين ومحاضرين وداعمين جزيل الشكر والتقدير، وكلّنا صف واحد من أجل وفي وسبيل البناء والتنمية في هذا الوطن المعطاء.
|