Monday 27th March,200612233العددالأثنين 27 ,صفر 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الاقتصادية"

مواجع الفوضى الاستثمارية تحت المجهر (1-2) مواجع الفوضى الاستثمارية تحت المجهر (1-2)
د. صالح بن سبعان (*)

ربما كنت ولا أجزم أسعد من حضروا محاضرة معالي الأستاذ عمرو الدباغ أمين هيئة الاستثمار التي ألقاها بجامعة الملك عبد العزيز، وعلّني كنت أكثر الحضور فخراً، لأنّ الدباغ واحد من الثمار الطيبة التي طرحتها الجامعة بين يدي الوطن.
ويزيد فخري تباهياً أنّ معاليه كان واحداً من أكثر طلبتي نباهة وذكاء واستعداداً لتحمُّل أثقل ما يمكن أن يوكل إليه من مسؤوليات وما يسند إليه من مهام.
أسئلة متداخلة:
إلا أنّ المحاضرة التي تناولت الواقع الاستثماري في المملكة وآفاقة المستقبلية أثارت في ذهنى أكثر من ملاحظة وسؤال وبضع أفكار.
ونظراً إلى الترابط بين حركة الاستثمار وإيقاع حركة الاقتصاد الكلِّي للمملكة. وارتباط هذا بحركة الاقتصاد العالمي طالما انتظمنا في منظومة التجارة العالمية، لذا فإنّ الحديث عن واقع وآفاق الاستثمار في المملكة، يلامس، بهذا القدر أو ذاك هذه القضايا المتداخلة المترابطة.
وبالتالي فإنّ حديثى، وإن كان سينطلق من محاضرة معاليه متخذاً من الاستثمار مدخلاً، إلاّ أنّني مضطر إلى تجاوز إطار المحاضرة الاستثماري أحياناً، طالما كان الموضوع نفسه كما يبدو بحراً لا يحدُّه ساحلان.
لقد أكد معالي الدكتور الدباغ في معرض حديثة الافتتاحي للمحاضرة، أنّ حركة الاستثمار لم تكن نشاطاً اقتصادياً فاعلاً من قبل، رغم أنّ كافة ظروف المملكة الاقتصادية العامة كانت مهيأة ليلعب الاستثمار هذا الدور.
ولكن دعونا نسأل أنفسنا: هل علة الإخفاق الاستثماري ترجع إلى نقص في السيولة النقدية؟ أم بسبب قصور وعدم كفاية النظم والقوانين التي تضبط انسيابية العمليات الاستثمارية؟ أم أنّها كسبب ثالث ترجع إلى عدم كفاءة وتأهيل الكوادر المسؤولة عن تطبيق هذه النظم .. هذا بالطبع إذا سلمنا بكفاية هذه النظم.
أكاد أجزم أن لا أحد يكلف نفسه طرح مثل هذه الأسئلة على نفسه وعلى الآخرين. ولذا تجد كل مسؤول يجد نفسه أمام هذا المأزق الاستثماري في غابة من الأسئلة الشائكة المميزة، مهما حسنت نواياه وصدق عزمه وتأكد إخلاصه.
الأمير عبدالله بن فيصل الذي تولى من قبل مسؤولية هذا المفصل الحيوي نفض يديه من الأمر برمّته وتقدم باستقالته، وهو المخلص والمؤهّل، ولولا ذلك لما اختاره ولاة الأمر لتحمُّل هذه المسؤولية، ورغم هذا الإخلاص والتأهيل والكفاءة تقدم باستقالته.
إذن فلا مناص من العودة إلى المربع الأول لنسأل: أين يكمن الخلل الاستثماري في هذا الثالوث؟.
أفي رأس المال، أم النظم، أم العنصر البشري؟.
نزيف نقدي مزمن:
السبب الأول ينفيه الواقع تماماً وأعني واقع المملكة ووضعها الاقتصادي، خاصة في ظل الظروف الحالية، بسبب ارتفاع سعر النفط عالمياً والكميات التي تنتجها وتصدرها المملكة، مما جعلها تتوفر على سيولة نقدية هائلة.
ومعالي الدباغ نفسه قال في محاضرته تلك بأنّ السعودية تصدِّر في شكل استثمارات خارجية تسعة مليارات دولار.
وإن كنت أعلم، أنه مثلى يعلم، أن الأموال السعودية المهاجرة تبلغ أضعافاً مضاعفة لهذا المبلغ منذ أكثر من عقدين ابان طوفان الوفرة الأولى إلى اليوم.
حيث أشارت الباحثة الأمريكية تانياسو قبل ثلاثة أعوام محذرة من موجة العداء الرسمى والشعبي في الولايات المتحدة الأمريكية تجاه العرب والمسلمين بعد أحداث (11سبتمبر) وانعكاساتها الاقتصادية، حيث إن الاستثمارات السعودية خصصت للسوق الأمريكية 60% من استثماراتهم الدولية التى بلغت قيمتها حسب تقديرات محافظ السنة (2003م) (700) بليون دولار.
كما كشفت بعض أوراق ندوة (إدارة الاقتصاد الخليجي في ظل الأزمات العالمية) التي نظمتها غرفة عجمان بالتعاون مع الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون والتي اختتمت فعالياتها يوم الخميس 9 أكتوبر 2003م، ان حجم خسائر الاستثمارات الخليجية والعربية الناجمة عن أزمة فضائح شركات مراقبة الحسابات الأمريكية خلال النصف الأول من عام 2002م بلغت نحو (325) مليار دولار، منها (160) مليار دولار خاصة بالمستثمرين السعوديين وحدهم.
أليس هذا نزيفاً قاتلاً لسيولتنا النقدية؟. فهذه التسعة مليارات التي ذكرها معالية لا تكاد تساوي حجم الاستثمارات السعودية في دبي وحدها .. فليست كل الأموال المتسللة او الهاربة أو المهاجرة سمِّها ما شئت تمر عبر بوابة هيئة الاستثمار. لذا أجدني أشك في صحة هذه الأرقام، إذ إنّ بعضها إن لم أقل أكثرها لا يتطابق مع الواقع.
إلاّ أنّ هذا لا يشكك في مصداقية وشفافية الدباغ الذى أعرفه قبل أن يتحمل مسؤولية هذا الحمل الثقيل، بقدر ما يؤكد ما ظللنا نردِّده دائماً بأن ليس دائماً كل ما على الورق جدير بالثقة، ما لم تتم مطابقته مع ما يحدث في أرض الواقع.
وهذا يقودنا مباشرة إلى مقاربة المفصلين الآخرين، وأعني بهما: النظم والعنصر البشري.
طبقات المستثمرين:
ورغم تداخل هذين العنصرين في العمليات الاستثمارية إذ يفضي كل باب منهما إلى الآخر. ولكن دعنا نبادر بالسؤال: هل نظمنا الاستثمارية مواتية فعلاً وتكفي للاستجابة إلى تحديات تفعيل القطاع الاستثماري؟ وتكفي لتحديات دخولنا عصر العولمة؟ وهل تتواكب مع تطور خطوات اقتصادنا الكلي؟
أهمية هذا السؤال من وجهة نطري تنبع من أننا درجنا على النظر إلى مسألة الاستثمار وكأنها قضية سيولة نقدية محصنة.
واذا كانت الأمور تقاس بنتائجها، فإنّ هذه النظم وبالطريقة التى يعمل بها النشاط الاستثماري، انما تزيد الغني غنى والفقير فقراً.
ويتبدّى هذا في أكثر من صعيد وعلى كل المستويات، الأمر الذى يجعل من مراجعة النظم والقوانين الاقتصادية برمّتها ضرورة ملحة قبل ان يدهمنا طوفان العولمة، والتزامات واستحقاقات منظمة التجارة العالمية .
ولنأخذ مثلاً ما يحدث على صعيد عمليات تمويل المستثمرين في القطاع المصرفي، حيث تركز البنوك وصناديق التمويل الاقراضية على دعم وإقراض كبار المستثمرين وبضمانات ميسرة.
وحين تسأل لماذا؟.
يقولون ومعهم الحق إنّ النظم القانونية لا تضمن لهم استرداد أموالهم في حال فشل أو عجز المستثمر الصغير والمتوسط عن سداد قروضة، في حين ان هذه الأموال تعود إلى المودعين وليس للبنك حتى يتصرف فيها كقروض غير قابلة للاسترداد، أو يأخذ أمد استردادها أمداً طويلاً، تكون مبالغها قد فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الفعلية.
حسناً. نحن لا نستطيع ان نلوم البنوك كثيراً هنا، ولكن كيف نستطيع ان نبتلع مبررات إحجامها عن الدخول مساهمة في المشاريع الصناعية الكبيرة، واكتفاءها بمزاحمة رجال اعمال القطاع الخاص في عمليات استثمارية متوسطة في قطاعات مثل المشاريع العقارية، رغم ان الدولة أعفتها من الضرائب على الفائدة، واكتفت هي أي البنوك بالمساهمة في الزكاة التي تدفعها ؟.
ولك أن تسال ما هو دورها في خدمة المجتمع طالما هي معافاة من الضرائب وسائر الالتزامات والاستحقاقات التي تُلزم بها البنوك في كل العالم؟.
سنجد أنها لا تفعل شيئاً غير المضاربة في كل شيء وتراكم الأرباح، ثم لا توظفها في مشاريع كبيرة حقيقية.
ضرورة التقنين:
وخلاصة الأمر ان إعادة تقنين عمل المصارف ومجالات نشاطاتها الاستثمارية، وسن التشريعات التى تضمن لها استرداد أموالها من المستثمرين، طالما التنمية الحقيقية، فيما نعلم جميعاً، إنّما تعتمد على القاعدة العريضة والكبيرة من النشاطات الاقتصادية الوسيطة.
وتقنين مجالات الخدمة الاجتماعية بشكل واضح ومحدد، وأن يُفعَّل دورها في خدمة الوطن والمجتمع بصورة ملزمة قانوناً بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية. وأن يجد لها المشرع القنوات والنظم التي توسع في مساهماتها في المشاريع الكبيرة.
ويأتي التأكد على ضرورة تفعيل دور المصارف في العملية الاستثمارية لما لها من إمكانات وقدرات وهامش أكبر من حرية اتخاد القرار وتنفيذه، على عكس ما عليه المؤسسات الحكومية .. على أن تدمج البنوك الإقراضية الحكومية في بنك إقراضي مركزي رئيسي، وهذا ما كتبنا عنه من قبل بشيء من التفصيل، ليساهم في إقراض صغار ومتوسطي المستثمرين، على ان تتم العمليات الاستثمارية المقترحة تحت إشرافه بعد إجازته دراسة جدوى المشروع. وللحدث بقية.

(*) أكاديمي كاتب سعودي

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved