خرج الشيخ عثمان الصالح من هذا العالم بهدوء. منذ أن عرفته وأنا أتمنى أن أسمع صوته الذي كان يستخدمه في تعليم طلابه. في كل المرات التي حضرت فيها الندوات الثقافية التي كانت تعقد في بيته وتحت رعايته كنت أحرص أن أنصت إليه لأتعرف على طبيعة هذا الرجل الطيب الكريم، ولكنه كان آخر من يتكلم وأقل من يتكلم. كان من الرجال القلائل الذين بقوا كشهود على الصراع مع التخلف والأمّيّة. هناك معركة عظمى دارت رحاها. جزء من تاريخ هذه الأمة ربما يكون أخطر المعارك التي خضناها وخاضتها البشرية.
الانتقال من الغياب إلى الحضور، الانتقال من التخلف إلى الوعي. أصعب معركة وأكثرها مراوغة ونجاحها لا يمكن أن يتحقق إلا بتعاون العدو الذي تواجهه فيها وبنجاح آخر عليه.. فالصراع داخل عقل الإنسان كصراع على أرض وعرة مظلمة لا نهائية مع عدو لا شكل له. معركة كهذه لا تنتهي لأنك لا تعرف الحدود التي يكف فيها الجهل عن أن يكون جهلاً ويبدأ فيها الوعي. فمنذ أن بدأ الإنسان يعي ذاته وهو يعيش داخل هذه المعركة لا يمكن أن يعلن النصر، فالنصر النهائي يعني توقف المعركة وتوقف جنودها الذين آمنوا أن المعركة لا يمكن أن تنتهي. عندما سلم أمر التعليم للأجيال الجديدة بدأ هو معركته الخاصة مع الجهل وعلى حسابه الخاص. فتح منزله ليكون فصلاً من فصول مدرسة يمكن أن تستمر إلى الأبد إذا كان ورثته على مستوى الصراع الذي خاضه عثمان. فالمعلم لا يمكن أن يتوقف عن التعليم حتى بعد موته. فإرادته تنزل في ورثته وفي طلبته وتنتشر نزولاً في كل الأجيال، فكل كلمة نكتبها وكل كلمة نقرأها هي جزء من إرادة ذلك المعلم الذي علمنا إياها وجزء من روحه.
أتساءل ما الذي يمكن أن يفعله عثمان الصالح بعد غيابه الجسدي. سؤال سألته ليس فقط في اللحظة التي عرفت فيها حقيقة موته، ولكن منذ أن ترك مدرسته الخاصة التي فتحها في منزله على أمل العودة إليها ليكمل رسالته. لم أكن متفائلاً بعودته. ولكن رسالة الوعي يمكن أن تستمر. فالموت لا يمكن أن يطمسها. معركة أجيال طويلة. كلما تحقق نصر ظهرت معركة جديدة تحتاج إلى نصر جديد وبتكاليف أعظم. وعثمان الصالح ربما ترك تراثاً واسعاً من المعرفة في عقول تلاميذه وأبنائه. وهذا التراث يفترض أن يعبّر عن نفسه في صورة مؤسسة. كم أتمنى أن تجمع أحاديثه التي تحدث بها إلى خاصته عن حياته في التعليم حتى ننتهي إلى صياغة مذكراته. ما حدث وما الذي أتى به إلى هذا الحقل الخطير وما هي رؤيته لطبيعة المعركة التي خاضها. فمذكرات رجل مثل عثمان الصالح ليست مجرد مذكرات إنسان عاش ومات ولكنها مذكرات العقل السعودي كله ومستقبله.
أظن أن هناك عدداً كبيراً من الناس يمكن أن يقدم ما سمعه من الراحل يمكن أن يتذكر أحاديثه. لابد أن يسجل هذا كله في كتاب. الشيء الثاني الذي أرى أنه جدير برسالة عثمان الصالح هو إقامة مؤسسة علمية تعنى بالنشر، وأتمنى أن تكتفي بحقل الترجمة. أن يترجم عثمان الصالح من حر ماله كتاباً واحداً في الشهر. مشروع كهذا لم يؤسس من قبل أفراد من قبل، وأظن أن تراث عثمان في نشر الوعي يمكن أن يكون الأساس الذي تنطلق منه فكرة هذا المشروع.
فالحضارات لم تقم على الوعي الذاتي فقط قامت على التزاوج والتلاقح والتثاقف والأمة لم تكن في حاجة إلى الترجمة كحاجتها الآن. هناك إنتاج معرفي هائل لابد من نقله إلى العربية، فإذا كانت المؤسسة الرسمية عاجزة عن تنفيذ مثل هذا المشروع فإن الرجال الذين خاضوا معارك المعرفة بملء إراداتهم يمكن أن يتصدوا لهذا المشروع، ولا أظن أن عثمان الصالح سيتردد في أمر كهذا ربما تكون هذه هي المعركة الجديدة التي تنتظر عثمان الصالح.
رحم الله الشيخ وأسكنه جنات النعيم.
* فاكس: 4702164 |