انتقل إلى رحمة الله رجل نحبه ونقدره، لما اتصف به من أخلاق، وما تميز به من صفات، وما قام به من أعمال وما تخرج على يديه من طلاب، وما ساهم به في مجالات مختلفة، على رأسها التربية والتعليم، التي كان في قمتها علماً مضيئاً، سباقاً في مجالاتها المختلفة.
قضى حياته متعلماً أو معلماً أو مديراً تعليمياً. درس أول أمره في الدراسات الحديثة المنتظمة على أخويه صالح وعبد المحسن، وكان الأستاذ صالح من أبرز أصحاب المدارس الحديثة، ومن النابغين في التعليم والتربية، وقد استفاد علماً وخططاً وإدارة من مدرسة النجاح التي التحق بها في إحدى مدن جنوب العراق، والتي كان أسسها الرجل المعروف المحترم المقدر الأستاذ أمين الشنقيطي.
ولما أخذ أبو ناصر من العلم حصيلة وافية، وتشرب بالروح التي كان يمتاز بها أخوه صالح سافر إلى المجمعة ودرس على أبرز مشايخها، ثم عين مدرساً ومديراً للمدرسة الحكومية المنشأة حديثاً فيها، فوضع اللبنات الأولى لهذا التعليم الذي ما فتئ أن انبث في نجد وانتشر بتوجيه من الملك عبد العزيز - رحمه الله -.
ثم انتقل فقيدنا الغالي إلى الرياض وبدأ عمله التربوي والتعليمي في معهد الأنجال الذي تطور فيما بعد إلى معهد العاصمة وقد تبينت مقدرته - رحمه الله - الإدارية في هذا المعهد، فعرف بالحزم العادل، وبث النظام، والمحافظة عليه، والسير في خطة واضحة الأهداف، معروفة النهج، فكانت إدارة المعهد قدوة حسنة، احتذاها كل مدير مدرسة تطلع إلى التفوق والنجاح.
لقد تخرج على يدي الأستاذ عثمان الناصر الصالح أجيال ممن خدموا في مجالات التنمية المختلفة، وكان له في نفوس هؤلاء الخريجين مكانة دافئة، ولا يزالون يذكرون إخلاصه في أن يكون منهم نافعون مخلصون لوطنهم.
***
** تعرفت عليه - رحمه الله - أول ما تعرفت عليه، في الحصوة الجنوبية في الحرم المكي كنا طلاباً في أوائل سنوات الستين الهجرية، نجلس ما بين المغرب إلى ما بعد صلاة العشاء، نتدارس دروسنا، وكان يشاركنا هذه الجلسات العلمية، كان مجيئه وقت موسم الحج، وكنا نفتقده عندما تحين عودته إلى الرياض، وبعد عودته تقوم الخطابات بيننا مقام اللقاءات، ولا يزال عندي بعض من رسائله ولم تنقطع الصلة بيننا. وزادت عندما عدت إلى الرياض، وصار لي سعادة الاجتماع به في المجالات التربوية المختلفة وعندما كنت في الجامعة أصبحت في فترة من الفترات عضواً في مجلس إدارة صحيفة الجزيرة، وحظيت بمزاملته مع الأستاذ الكبير عبد الله بن خميس.
** *
** الأستاذ عثمان الصالح عرف بلباقته، وحسن استقباله وكان حفياً بأصدقائه حضروا أو غابوا، وكان الاتصال بهم يأتي أحياناً عن طريق أبيات يرسلها لهم، فيردون عليها بأبيات، وكلها تحمل طرافة تكشف عمق المودة، وأمامي بعض منها كانت بينه وبين الأستاذ عبد الله الحمد القرعاوي - رحمهما الله
رحم الله أبا ناصر، وأسكنه فسيح جناته، فقد كان ابتسامة مضيئة بيننا، وفقده ليس سهلاً علينا، ولكن هذا طريق مسلوك، ليس أمام المرء فيه إلا التسليم.
{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.
|