قبل أيام فقدت محافظة الرس علماً من أعلامها البارزين الذي كان لفراقه حسرة ولوعة وحزن وأسى إنه فضيلة الشيخ (فهد بن عبد الله الهويمل) عن عمر يناهز السابعة والأربعين عاماً الذي فارق الحياة الدنيوية بعد معاناة مع المرض لعدة أشهر قضاها في طلب العلم وعمل الخير وكان من رواد العلم الأوائل في المحافظة..
ومهما تحدثت عن هذا الفقيد فالحديث يطول ويطول لما له من محبة من الجميع وكان لابد لي من المشاركة في كلمة تليق بهذا الفقيد الذي خلف وراءه علوماً متعددة لقد فجع الجميع بوفاته من أقاربه ومحبيه وأصدقائه وزملائه وكان من الواجب أن أسطر بقلمي بعض الكلمات وما تكنه نفسي وفاء أو حباً لهذا الرجل، حيث سبق وأن عايشته واجتمعت معه عدة مرات في مجلسه الذي لا تمله وغالباً ما تخرج بفوائد متعددة من جلسته معه وسوف أعبر عما تكنه مشاعري وما يختلج به صدري نحو هذا الفقيد الغالي.
لقد مرّ بفترة طويلة يعاني فيها المرض ومع ذلك لم يكن هذا المرض عائقاً له عن مواصلة أعماله الخيرية وسيرته التعليمية، فكان يقوم بواجباته نحو ربه وكان محباً للخير ومساهماً في كل مناسباته، إضافة إلى لباقته وسعة باله وترحيبه بمن يزوره في مجلسه علمه ومكتبته الخاصة.
ولزم علينا بعد وفاته أن نتطرق ولو ببعض الشيء من جوانب حياته وأعماله التي يدعو فيها المولى - عز وجل - أن يجعل ما قدمه من أعمال خير وبذل وعطاء في موازين حسناته لقد خلف علما كثيرا في كل العلوم..
ولقد شرب - رحمه الله - من جميع بحور العلم ومنها علوم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وعلوم اللغة العربية ثم مهاراته في علومه الحاسب الآلي منذ بداية ظهور هذا العلم الذي استغل برامجه في علومه وأبحاثه الدينية وفق برامج خاصة ومهارة جيدة في عملية البحث والتوثيق لها..
سبحان الله لقد أوتي في فترة من الفترات ذاكرة قوية لا يوجد لها مثيل يقول أحد إخوته لقد تعاهدت أنا وهو في يوم من الأيام على حفظ موطأ مالك بأسانيده، ففاقني ولم تمر ثلاثة أشهر إلا وقد ضبط الموطأ بأسانيده فسبحان الله حصل هذا مع كثرة مشاغله وأولاده وظروفه.
لقد تفوق في علم الحديث حتى بدأ بإلقاء دروسه في جامع الشفاء، لقد تطرق الى الكثير من المسائل الشرعية وكان له باع فيها ومنها مسألة زيارة القبور للنساء وزكاة الحلي والوضوء من لحم الجزور وكان يناقش فيها مستنداً الى الكثير من الأدلة لقوة بحثه في المسائل وعلمه في أحاديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وتخريجها..
وحدثني أحد أقاربه بأنه يتصف بالكرم والبذل، وقال سوف ألخص اخلاقه من خلال هذه الكلمات، إنه كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. كان يعطي حتى لا يجد ما يأكل أو يشرب هو وأولاده، وكلما تذكرت حاله في العطاء تذكرت حال الإمام زين العابدين - رحمه الله - بعطائه بين أهل المدينة النبوية.
في يوم مطير وهو خارج من المسجد في الرس إذا بتلك المرأة العجوز التي قد ظهر عليها علامات الفقر والحاجة وأطفالها بالسيارة تلك السيارة المتواضعة.
فوقف - رحمه الله - يكلمها في الشارع وفي هذا المطر والبرد، والمرأة تبكي وتقول يا فهد يا فهد أعطني وطال بكاؤها سبحان الله ونحن في آخر الشهر وهو لا يجد - رحمه الله - فأعاطها خمسة ريالات كانت في جيبه وهو لا يجد غيرها، فبكت وأبكت وبكينا جميعاً لحالها فدخل - رحمه الله - وهذه الحادثة مر عليها عشر سنوات وما زالت هذه الحادثة مؤثرة لقد دخل إلى منزله وأحضر عددا من الريالات كانت لأحد أولاده ومعها بعض المأكل والمشرب.
ومن كرمه - رحمه الله - أنه كان يوقد على العشاء في بيته أكثر من مرة يومياً هذا للضيف وهذا لطالب علم وهذا لمرتادي المكتبة وهذا للفقراء والمحتاجين.
ولو تحدثنا عن صفاته لتطرقنا الى الكثير من عطائه الذي ندعو الله أن ترصد له أعماله يوم يلقاه، فسبحان الله من أعطاه ووهبه وزوجه زوجة فاضلة تطبعت بكثير من أخلاقه فلم تتضجر حفظها الله لأولادها.
لقد شهد الكثير جنازته حيث إن مشهده لم يذهب من مخيلتي والكل يدعو له عند قبره بالثبات والمغفرة والرحمة.
لقد أصيبت محافظة الرس بمصاب جلل لفقدها رجل فاضل مثل الشيخ فهد الهويمل، اللهم ارحمه وعافه واعف عنه، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة وألهم اهله وذويه الصبر والسكينة، اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وابدله دارا خيرا من داره وأهلاً خيرا من أهله وزوجاً، خير من زوجه وادخله الجنة ونجه من النار وأعذه من عذاب القبر.
اللهم إن (فهد الهويمل) في ذمتك فأعذه من عذاب القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم.. اللهم أنت هديته للإسلام وأنت قبضت روحه، تعلم سره وعلانيته فاغفر له وارحمه وسدد نيته واغنِ ولده واشفيهم مما ابتليتهم به، اللهم اغفر له كما استغفرك واعطه ما سألك وزده من فضلك.. اللهم أمسى عبدك وقد تخلى عن الدنيا وتركها لأهلها واستغنيت عنه وافتقر إليك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك فاغفر ذنوبه.
|