حزنت وتألمت كثيراً حين أُخبرت بوفاة الصديق والأخ الكبير علماً وفضلاً وزيادةً في التربية والتعليم لا تُبارى.. حزنت على وفاة الشيخ الفاضل عثمان بن ناصر الصالح - رحمه الله رحمة الأبرار - وقد زاد في حزني أنني لم أتمكن من الصلاة عليه ولا من تشييعه ولا من تعزية أبنائه الكرام ومحبيه الكثر وجهاً لوجه وقد حبسني عن ذلك سرير المرض والعلاج.. في مدينة (الأمير سلطان للخدمات الإنسانية) جراء عملية جراحية في العظام.
وكانت تعزيتي لأبنائه البررة عن طريق الهاتف.. تعزيةً مخنوقةً بالأسى والتأثر.. وإن كانت أريحيتهم رغم مصابهم الجلل لم تغبْ عنهم في تلك اللحظات الحرجة.. فقد ردَّ عليَّ الابن الشهم بندر بن عثمان الصالح، أصالةً ونيابةً عن إخوانه بقوله (الحق لك علينا نحن سنأتي لزيارتك ولتعزيتك في الفقيد الحبيب).. لولا أنني أقسمت عليهم ألا يفعلوا وهذا الخُلق من أبناء الشيخ عثمان - رحمه الله - هو أثر من آثاره التربوية والتعليمية التي أسر بها نفوس عارفيه ومقدري فضله وليس مستغرباً عليهم أن يكونوا صوراً حيةً من صور أخلاقه الفاضلة - رحمه الله -.
وفاة هذا الرجل النبيل ورائد التربية والتعليم.. ليست من الوفيات التي تمر بالنفس حارة تلهب المشاعر ثم تبرد بالسلوان.. كلا.. بل ستبقى آثارها زمناً طويلاً في نفوس ومشاعر محبيه وعارفي فضله.
الشيخ عثمان الصالح - أسبغ الله عليه شآبيب رحمته - ليس رائداً للتربية والتعليم فحسب.. يُضرب به المثل في النجاح وصناعة الخلود لسمعته الطيبة وأخلاقه ومحاسنه التي يجب أن تحتذى.. بل هو إلى جانب ذلك رجل العلاقات الاجتماعية الأول فهو لا يعلم بمريض إلا زاره.. ولا حفل زواج أو أية مناسبة يُدعى إليها إلا لبى الدعوة.. ولو لبضع دقائق.. وربما دُعي في الليلة الواحدة أكثر من دعوة ومع ذلك يلبيها أو يتصل بالداعي ويبارك له.. ويعتذر إليه فهو يؤمن بأن ما دام هؤلاء رغبوا في حضوره تقديراً له فليرد الجميل بمثله حضوراً أو اعتذاراً.. فبقدر ما يقدره المجتمع فهو كذلك يقدر الذين يقدرونه فهذه الصفة خصلة من خصال الخير قل وجودها إلا عند قلة من الأخيار والخيرات والشيخ عثمان المعلم والمربي الكبير كاتب اجتماعي سطَّر مقالاته في شتى الموضوعات وله كذلك مشاركات شعرية من صنف الشعر الإخواني.. فعندما يستثيره بعض أصحابه بأبيات حبية يرد عليها بأبيات لا تقل عنها رقة.. كما نشرت ذلك بعض الصحف المحلية.. بعد وفاته -رحمه الله-.
ولعل من خير ما ختم به سنوات عمره المبارك في خدمة الأدب والثقافة إقامة الندوة الثقافية (الإثنينية).. التي كان يقيمها أسبوعاً بعد أسبوع.. وقد كان لها فضل كبير في لمِّ شتات الأدباء والمثقفين وتشجيعهم لمثل هذه النشاطات الموفقة وهذه الاثنينية الصالحة جاءت رافداً لما كان يقوم به (النادي الأدبي في الرياض) الذي كان يسعدنا بحضوره مختلف نشاطاته.
وآمل من أنجال فقيدنا العزيز أن يعيدوا لهذه الندوة الإثنينية حياتها ووهجها من جديد.. فهي تراث وإرث كريم للشيخ عثمان الصالح - رحمه الله - ينبغي ألا تموت بموته.
ونأمل أن يكون توقفها إبان مرضه توقفاً (مؤقتاً) بعد أن تجف دموع أهله ومحبيه.
كما آمل أن تكون أول إثنينية تعقد بعد وفاته - رحمه الله - ندوة حاشدة يقدم فيها ثلاثة من المختصين أوراقاً عنه - رحمه الله -: عثمان الصالح معلماً ومربياً - عثمان الصالح مثقفاً وأديباً - عثمان الصالح الإنسان، وأتمنى على أبنائه البررة جمع ما كُتب عنه - رحمه الله - مع ما يُطرح في تلك الندوة وإصداره في كتاب توثيقي يحفظه التاريخ، كما أتمنى عليهم جمع آثاره وكتاباته وتعليقاته - رحمه الله - ونشرها كذلك.
وأخيراً قد يرى الأبناء الكرام أن تكون الندوة شهرية وليس كل أسبوعين لتكون أجود وأكثر تركيزاً وأدوم أثراً بحيث تنعقد خلال عام في حدود عشر مرات والله ولي التوفيق.
رحم الله شيخنا وحبيبنا عثمان الصالح وأسكنه فسيح جنته وجعل في خَلَفِهِ مَنْ يعيد إلينا سيرتَه العاطرة.
|