واقع العلاقات والسياسات الدولية والإقليمية يحتاج إلى من يضعه على أجندة العلاج الناجع الشافي الذي ينهي حالة الصراع والحرب ويحل محلها أجواء التعاون والتعامل السلمي وفقاً لمنظومة مترابطة من العلاقات الثنائية والجماعية الدولية التي تفعل كافة مجالات وحركات التعامل الموضوعي بين الدول بحيث تتفاعل جميعها في بوتقة إستراتيجية وحيوية عملية تنمي من مجالات التفاعل الإيجابي الحركي الذي يساعد على تحقيق أهداف التقارب والتعاون والتآخي بين الدول والشعوب في عصر حديث لا يمكن أن يعترف إلا بالتكتلات الضخمة ولا يحترم إلا التحالفات القوية.
انطلاقاً من تلك الحقائق فإن زيارة سمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز - حفظه الله - إلى دولة اليابان تعد المحطة الأولى في جولة إستراتيجية وطنية مكملة للجولات السابقة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - إلى عدد كبير من دول العالم العظمى والكبرى والرئيسة والفاعلة.
زيارة سمو ولي العهد لليابان بالطبع لا يمكن أن تكون زيارة بروتوكولية، أو زيارة مجاملة رسمية تنضوي في إطار تسخين العلاقات الثنائية بين الدولتين، أو تفعيلها، أوحتى بغية فتح آفاق ومسارات جديدة من العلاقات ومجالات التعاون الثنائي المشترك، فالزيارة هي كل ما سبق لكونها حلقة إستراتيجية جديدة فاعلة في منظومة العلاقات الإستراتيجية السعودية اليابانية التي بدأت وتعمقت منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي.
لذا فإن لزيارة سمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز إلى اليابان ومن ثم سنجافورة، وأخيراً دولة الباكستان الشقيقة، بالإضافة من كونها زيارة رسمية بالغة الأهمية لم يسبق لها مثيل من قبل من حيث مستوى التمثيل الدبلوماسي والسياسي، فإنها من الزيارات التاريخية والمصيرية التي تنمي من روابط العمق التحالفي بين الدولتين نظراً لأن الأمير سلطان ولي عهد المملكة يزور اليابان للمرة الثانية ويوليها اهتماماً كبيراً ويعول عليها في تنمية جميع مجالات التعاون والتبادل التجاري والاقتصادي والثقافي مما يضع الزيارة في منظومة علاقات القمم السياسية العليا التي بمقدورها أن تتحرك سياسياً واقتصادياً وثقافياً وتجارياً في أي اتجاه يمكن أن تحركه الإرادة السياسية وترسو عليه تبعاً لذلك المباحثات والمشاورات الثنائية بين القيادتين. ولعل المتغيرات الإستراتيجية والتغيرات الحيوية التي أخذت مكانها في منظومة العلاقات الدولية وغيرت من سياساتها المختلفة التي ظهرت بشكل واضح مع بداية القرن الحالي.. هي التي فرضت بروز أنماط مختلفة من العلاقات والسياسات المتقاربة بين الدول تحتل مقدمتها ضرورة البحث عن محاور شراكات دولية وإقليمية على كافة المستويات وخصوصاً على المستويات الاقتصادية والسياسية والأمنية بغية تحقيق الأهداف والمصالح الوطنية التي لم يعد يتأتى تحقيقها بدون الدخول في شبكة إستراتيجية عالمية متصلة ومتواصلة من التفاعل والتعاون والتبادل الإستراتيجي خصوصاً مع الدول الرئيسية والفاعلة التي تحتل عرين المنتظم الدولي الحديث.
لذا فإن المملكة بمكانتها السياسية الإقليمية والعالمية، وبقدراتها الاقتصادية الوطنية، تعد الشريك الاقتصادي الإستراتيجي الرئيسي مع دولة اليابان على كافة المستويات الاقتصادية والتجارية التي تربط بين الدولتين.. ناهيك عن الإرادة السياسية المشتركة للدولتين للحفاظ على الأمن والسلام والاستقرار الإقليمي والعالمي سواء من جانب تفعيل كافة مقومات الأمن السياسي، أو تنمية وتطوير مقدرات السياسة الأمنية المشتركة. وبالطبع يحتل العامل الاقتصادي مكانةً إستراتيجيةً بين المملكة واليابان نظراً لوجود مجالات ضخمة من المصالح الاقتصادية والتجارية والاستثمارية المتبادلة بين الدولتين لمواجهة تحديات ومخاطر ومستجدات عصر العولمة، العصر الذي مزج علاقات الدول وفرض عليها ضرورة إن لم يكن حتمية مواجهة التغيرات السريعة والخطيرة بالقدرة على فرض واستنباط المتغيرات المضادة أو البديلة.
لا شك أن سمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز تمكن بعون من الله من تحريك وتفعيل كل الاتفاقيات والتحالفات الثنائية مع اليابان الدولة التي تعد في طليعة الدول المتقدمة صناعياً وعلمياً وتقنياً مما يعني إيجاد شتى المجالات الحيوية والإستراتيجية التي يمكن أن تنمي من مستويات التنسيق والتعاون الثنائي بين المملكة واليابان بما يحقق المصالح الوطنية المشتركة والمتبادلة. ولعل من أهم مخرجات زيارة سمو ولي العهد تفعيل واقعي وعملي ملموس للدور السعودي الإقليمي والعالمي مما يعمق من معنى السياسة السعودية ويضخم من مفرداتها الدبلوماسية الهادفة إلى تحقيق الأمن والاستقرار العالمي ونشر الرفاهية في ربوع العالم كله. أضف إلى ما تضيفه الزيارة وكذلك الجولة من حلقات جديدية قوية واعدة إلى سلسلة الشراكة الإستراتيجية السعودية العالمية التي بدأ في تشييدها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ عام 1998م ناهيك عما ستضيفه الزيارة بمشيئة الله من منافع إلى بوتقة المصالح الإستراتيجية السعودية المتبادلة التي حققتها وبنتها المملكة في العشرين عاماً الماضية مع جميع الدول الصناعية الحديثة بل وحتى الدول الصاعدة الجديدة التي تعد من الدول الواعدة والمؤثرة في النظام العالمي الجديد.
فالمملكة كانت وما زالت من الدول السلمية التي ترفض استخدام لغة العنف واللجوء إلى أدوات الصراع العقيم أو العمل بخيار آليات الحروب المدمرة في تعاملاتها وتفاعلاتها الدبلوماسية الشفهية أو السلوكية مع كافة دول العالم. لذلك كانت المملكة وما زالت في طليعة الدول التي تنبذ العنف والإرهاب والحروب، بل في مقدمة الدول الحريصة على الحفاظ على أمن واستقرار ورفاهية العالم كله على كافة المستويات والأصعدة خصوصاً السياسية والعسكرية والاقتصادية.
بالفعل هذه هي الحقيقة بعينها التي يجب أن تعيها جميع دول وشعوب العالم منذ أن لاحت في الأفق بوادر العنف والإرهاب العالمي الذي لا يمكن أن يُستثني دولةً أو شعباً من شروره وآثامه ومخاطره. ولهذا تحرص حكومة المملكة على تقوية وتطوير سياسة تبادل المصالح بداية بالمعلومات والخبرات والبيانات في جميع المجالات الحيوية، ونهاية بتبادل المنافع التجارية الاقتصادية مع كافة الدول وهي سياسة عصرية متحضرة ومتمدنة ومطلب إنساني لم يعد له من بديل في العصر الحديث ولا تقل أهميته عن أهمية تكوين كيانات وتحالفات إقليمية ودولية يمكن من خلالها مواجهة التحديات والمستجدات الدولية التي بدأت تهدد أمن واستقرار العلام منذ أن انفرط عقدها تماماً بعد أحداث 11 سبتمبر من العام 2001م.
|