Tuesday 11th April,200612248العددالثلاثاء 13 ,ربيع الاول 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

دفق قلم دفق قلم
شجرة الحُلُم
عبدالرحمن بن صالح العشماوي

قالت: لقد انتهيت، خسرت كلَّ شيء، لم يعد لحياتي أيُّ معنى على وجه الأرض، تبدَّدتْ أحلامي التي كنت أسعى إلى تحقيقها، أصبحت أشعر أنَّ كلَّ شيءٍ في هذه الحياة يقف ضدي منذ عرفت هذه الدنيا، فارق أبي هذه الحياة وأنا في ملاعب طفولتي لا أفهم المعنى العميق لموت الأحبة وعشت مع أمّي زمناً، ثم انتقلت إلى بيت عمي بعد أن تزوجت أمي بزوجٍ آخر، كنت أتجاوز العاشرة بقليلٍ، في حينها شعرت أن الدنيا أصبحت فراغاً، لقد حاول عمي - جزاه الله خيراً - أن يملأ فراغ نفسي، ويسدَّ ثغرة بؤسي، ولكنَّ زوجته لم تكن قادرة - على الرغم من جهودها - على مساعدة عمي في محاولاته الكريمة، واحتدم الأمر حينما أصبحت احتجُّ على كثرة الأعمال التي كنت أقوم بها مقابل راحة بنات عمي واستقرارهنَّ، وحينما شكوت إلى عمي دعاني إلى الصبر، وشجّعني وأفهمني حقيقة وضعي وأنا بعيدة عن أمّي وأبي، لقد وارى دموعه وهو يقول: لابدَّ أن تواجهي واقعك بشجاعة وصبر، وتأكدي أن الله سبحانه وتعالى معك. كانت أمي - رعاها الله - قد غاصت في حياتها الجديدة مع أبناءٍ وبناتٍ من زوجها - إخوتي من أمّي - ومع معاملةٍ غير جيِّدة من زوجها.
أحلامٌ تتحطّم أمام عينيّ، بقي لي منها حُلُمٌ واحد كنت أعلِّق عليه ما بقي لي من أملٍ في حياة مستقرَّة كريمة، إنه ابن صديق والدي الأقرب إلى روحه حينما كان حيَّاً، ذلك الفتى الذي تعلَّقت به نفسي لما عرفت فيه من كريم الخصال، وعلمتُ بعد زمنٍ أنه يتوق إلى الزَّواج مني، ففرحت بذلك أيَّما فرح، وهدأت نفسي قليلاً، ورسمت في ذهني صوراً جميلة لحياة زوجية جميلة مع فتى الأحلام، تعوِّضني عن كل ما لاقيته من العناء في حياتي، حُلُمٌ له رونقه وبهاؤه كان يخفِّف عن نفسي آلامها وأحزانها التي ثقلتْ عليها جدّاً بعد انتقال والدتي مع زوجها وإخوتي منها إلى مدينةٍ أخرى، يا له من حُلُمٍ يرفرف بأجنحته الجميلة في آفاق نفسي.
ولكنَّ الأيام حملتْ إليَّ من الأسى أضعاف ما كنت أتوقَّع، فقد تبدَّد الحلم الجميل، وأصرَّ والد ذلك الفتى على زواجه من ابنة عمِّه التي لا يحبُّها، وهي لا تميل إليه، وأصرَّ عمّي على زواجي من أحد أبنائه، لقد كان أبعد الناس عن نفسي وعن قلبي، وإن كان هو يميل إليَّ كما علمت فيما بعد يا للهول، لقد تبدَّد حلمي الوحيد، لحق بتلك الأحلام التي ضاعت، وتحطّمتْ على صخرة الواقع القاسية، وها أنذا أعيش مع ابن عمي بلا قلب، مع أنه يعاملني معاملةً طيّبةً إذا قيس بغيره من الأزواج الذين لا يعرفون إلى التعامل الحسن طريقاً.
أنا الآن أعيش بلا أحلام، أنا بائسة يائسة من الحياة ولولا أولادي من ابن عمي وخوفي من ربي لآثرت إنهاء حياتي للخروج من هذه الدنيا التي تحطَّمتْ فيها أحلامي جميعها.
قلت: لقد بالغت في حديثكِ عن الأحلام المحطَّمة مع أن روايتك لما جرى لك توحي بأن أحلاماً أخرى قد تحقَّقتْ، وإن لم تتحقّق بعض الأحلام الكبرى التي رسمتها لنفسك.
إنك زوجة مستقرة في منزلٍ مستقرٍ، ولك أولاد تكوّنت بهم أسرتك الصغيرة، وزوج لا بأس بتعامله كما ذكرتِ، وعمٌّ يحمل لك من العطف ما لا يخفى، وأمٌّ حرصت على تربيتك بعد وفاة والدك فترة من الزمن، ثم تزوَّجت بعد أنْ اطمأنَّتْ على حياتك مع عمِّك، وكأني بها تتوق إلى أن تكوني معها لو كان زوجها على ما يُرام، هكذا برزت لنا من خلال حديثك ملامح حياةٍ لا تخلو من نجاحٍ وهدوء واستقرار، وإنما كان النقص فيها نتيجةً لعدم تحقق بعض أحلامك التي رسمتها لنفسك، وضخَّمت صورتَها حتى ملأت جوانب مشاعرك، وتوقَّعتِ أن السعادة لا تتحقّق بدونها.
إن الحُلُم - أيتها الأخت الكريمة - شجرة كبيرة متفرِّعة الأغصان، وارفة الظلال، مستمرّة الإثمار، ولا يمكن لأحدٍ في هذه الحياة أن يملكها كلّها بجميع أغصانها وثمارها وظلالها، وإلا لما كانت الحياة الدنيا دار زوالٍ وفناءٍ، إنَّ تعلّق الإنسان بربِّه هو الذي يخفِّف عنه أعباء الحياة، ويجعله راضياً بما قسم الله، مهما كانت عوامل النقص، ومظاهر الحرمان.
لقد قطفتِ من شجرة الحلم ما يمكن أن يكون سبباً في سعادةٍ تجدين لذَّتها وحلاوتها، فلا تغلقي دون نفسك أبواباً مفتوحةً، حرصاً على فتح أبواب مغلقةٍ شاء الله سبحانه وتعالى ألاَّ تُفتح لكِ، ولربما كان إغلاقُها خيراً لك لو كنتِ تعلمين.
إشارة:
ما أحسن أن نتأمَّل معنى هذا الدعاء الذي نردِّده: (اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا رادَّ لما قضيت ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجِدُّ).

www.awfaz.com

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved