Tuesday 11th April,200612248العددالثلاثاء 13 ,ربيع الاول 1427

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"منوعـات"

نوافذ نوافذ
الحصاد
أميمة الخميس

أطبقت علينا في فترة الثمانينيات والتسعينيات فترة قاتمة مظلمة على جميع المستويات الحضارية، وادلهمت فوق رؤوسنا سحابة سوداء تحمل في طياتها نذر الموت دوماً، تلك الفترة التي أذكر أن إحدى زميلاتي في الجامعة كانت تلاحقني كي أشاركهن طقوس الجنازة ودفن الميت، بل إن إحداهن كما قيل لي دعتهن إلى حديقة منزلها الواسعة وحفرت بها قبراً وصرن يتناوبن النزول فيه الواحدة تلو الأخرى.
وباتت الكتيبات والأشرطة المروجة لفكرهم تحاصرنا في كل مكان حتى باتت جزءاً من المشهد اليومي، رافق هذا مسميات غريبة مثل حجاب إسلامي وثوب إسلامي، وصولاً إلى زفاف إسلامي على اعتبار أن البقية هم جماعة من الكفرة يجب أن نهاجرهم ونهجرهم (وهذه الفكرة بالتأكيد هي صميم الفكر التكفيري الصادر عن الجماعات الإرهابية التي ظهرت في مصر)، أذكر أن زميلتي إياها كانت تطاردني في منعطفات الجامعة لأسخر قلمي الذي كان في بداياته آنذاك بغرض خدمة أهدافهن، لا أدري وقتها كيف نجوت على الرغم من شدة الحصار، وعلى الرغم من كون روح الشباب وريحها من الممكن أن تأخذك في أي اتجاه.
ولكن كان الجو قاتماً خانقاً حيث سيطر على الجميع روح الشك والكراهية الرافض للآخر، فحرم كل شيء وكل ملامح الجمال أو الفن، وباتت المدينة بلقعا سوى من حصار ثقافة الموت ومترادفاتها، تلك الفترة حوصر الإنتاج الأدبي وحرمت الفنون بجميع أشكالها وظهر في المجتمع روح دروشه عجيبة منفصلة عن الواقع منغمسة في خدر غريب، وقد دعم كل هذا أنهم كانوا لهم مداخل إسلامية وبالتالي وجدوا لهم مكاناً في مجتمعنا الذي يمتلك فطرة إسلامية وروحاً عميقة من التدين، وأصبحوا يلتقمون أرواح الشباب الواحد إثر الآخر، ويبيعونها وقوداً لمحرقتهم الكبرى في مدن العالم. إلى أن صحونا في يوم ما على هدير قنابلهم ومتفجراتهم بين ظهرانينا، وأسلحتهم مصوبة إلى جنودنا وأمننا، وسياراتهم المفخخة تمخر الشوارع حولنا، كانوا عندها قد أطبقوا على المجتمع وهيمن قطاع كبير منهم على التوجهات والاتجاهات والمؤسسات الحكومية، بحيث صنعوا أرضية فكرية متينة تدعم الجناح العسكري الذي وصل مؤخراً إلى بقيق وحيث قلب هذا المكان النابض، وصلوا إلى نسغ أطفالنا وغدهم ومستقبل أمة، وتبدى لنا وجههم البشع المرعب الذي كان يتدثر بالعديد من الأقنعة منها أقنعة الورع والتقوى، وتبدت مطامحهم السياسية الكبرى، والذي يشاهد مشهد اقتحام مصفاة بقيق على (البلوتوث) يعلم بأن هؤلاء الصبية هم مجرد رصاصات صغيرة تطلق من آلة جهنمية تستهدف المشروع الحضاري لأمة، قد يكونوا استأثروا بأدمغة بعض البسطاء والصبية بعضاً من الوقت، ولكن بعد حادثة بقيق تحديداً لم يعد هناك مجال للمزايدة على أهدافهم السياسية، وبات وجههم البشع المرعب واضحاً للجميع، وباتت مقاومتهم والتصدي لهم ليس مسؤولية الجندي عند نقطة التفتيش، بل هي واجب أمة.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved