* ذكر الزميل المهموم أبداً بقضايا وطنه وناسه، الأستاذ القدير (قينان الغامدي)، في عموده اليومي (صباح الوطن)، بصحيفة الوطن يوم الاثنين الثالث من إبريل الحالي، بعضاً من ذكرياته عن مستشفى الملك فيصل بالطائف الذي غير مكانه وإن لم يغير حاله، فقد تحدث (أبو عبدالله)، عن جوانب قصور لازمت هذا المستشفى العريق، حتى بارح موقعه الاستراتيجي في قلب مدينة الطائف، وذكر طرائف مما مر به معه، وقال: إن هذا المستشفى قد (مات)..!
ولعلي هنا أختلف مع أخي (قينان) في قضية موت هذا المستشفى، لأني أرى أن المبنى فقط هو الذي مات، أما (المريض)، فما زال على قيد الحياة، ينتظر رصاصة رحمة تحييه، وتقيل عثراته، من (رجل قوي أمين)، كالوزير (غازي القصيبي) مثلاً..!!
يقول شاعرنا القديم:
وكذا الزمان.. يذهب بالناس
وتبقى الرسوم والآثار!
* أغراني هذا المقال الجميل كصاحبه، فولجت دهاليز الذاكرة، ولممت بعض شتات من ذكريات، تبقت من سنوات، عرفت فيها المستشفى وعرفني فيها، خصوصاً وأني وقفت قبل أيام قلائل، على طلل تهاوت أنفاسه البشرية، فناب عنها في المكان الصامت، صور من ماضٍ بعيد، لا تخلو من عبر، وإن أنهكتها عبرات:
وعظ (المكان)، فما فهمت عظاته
وكأنه في صمته يتكلم
* مع مطلع الثمانينيات الهجرية من القرن الماضي - على ما أظن - لم يكن هناك سوى صِحِّيَّة..! كنت أسير خلف والدي - رحمه الله - بجوار هذه الصحية، أمام برحة ابن عباس، متعلقاً بثوبه وهو يقول لي: (هذي صحية فيصل).
وأظن أنها كانت في عيني مبنى صغيراً من دورين، إذ لم أدخلها، ولم يدخلها إلا قليل من الناس من قرانا الحضرية الزراعية التي كانت مترعة بكل خيرات الأرض، وسكانها لم نعهدهم إلا أصحاء أبدان، فكانوا في رعاية ربانية وصحة (عال العال)، وإذا ألمّ بأحدهم وعكة ما، تداوى بشيء من أحمرين، النار والعسل.
* دخلت هذا المستشفى بعد ذلك، وقد أصبح مبنى كبيراً من ستة أدوار، يشار إليه بالبنان، إذ لم يُسبق في حجمه وارتفاعه في كل الطائف، فقد مكثت الغيول في وادينا سنوات، فانتشرت جيوش البعوض، وحلت معها حمى الملاريا، تلك الشوطة التي عمت كل الناس في كل القرى الممرعة. فصادف أن نقلت ووالدي - رحمه الله - في حالة إسعاف، فرقدنا للعلاج في غرفة واحدة، حتى تعافينا منها.
* ثم دخلته للمرة الثانية عام 1389هـ، بعد استسلامي لنصح الصديق الدكتور (طاهر بن صادق) الذي كان وكيلاً للمستشفى وقتها، إلى جانب مدير المستشفى الدكتور (منصور فارسي) رحمه الله، فقد آذتني اللوز، وحان قطافها، على يد طبيب باكستاني اسمه (صغير أحمد)، في عملية جراحية تطلبت سبعة أيام تنويم، وهي اليوم لا تتطلب أكثر من ساعة واحدة.
* ظل مستشفى الملك فيصل بالطائف، بعد توسعه وتفرع تخصصاته وخدماته، وعلى مدار أكثر من أربعين عاماً، وحيداً في مصارعة ومقارعة أمراض المليون إنسان في الطائف وما حولها، من قرى ومناطق تمتد إلى مئات الكيلات، وظل كذلك محط نقد وعدم رضا، حتى يوم الناس هذا، مع أن الطائف شهدت بعد ذلك، ظهور خمسة مستشفيات حكومية كبيرة، إلى جانب المستشفيات والمستوصفات الأهلية، فقد تعاقب عليه مديرون كثر، وأطباء ومسؤولون أكثر، وحار في أمره وزراء الصحة ومسؤولوها الذين جعلوا منه إلى سنوات، مقراً لعملهم في الصيف، ومع أنه انتفض وتحرك إلى الأمام، وجلب له بعض الرضا في وزارة الدكتور القصيبي، إلا أنه ما لبث أن عاد إلى رقدة سريرية تثير الشفقة.
* في العام 1395هـ، توفي والدي في إحدى غرفه، بسبب نزيف داخلي بعد حادث، إذ مكث - رحمه الله - فيه من الصباح حتى العصر، دون أي تدخل جراحي أو طبي مناسب لحالته..!
* وفي العام 1400هـ، تعرض ابني أشرف (ابن العامين)، لحمى شديدة، شخصها طبيب فيه، بمثل ما شخص زميل له حالة صديقنا (قينان).. فأدخل في قلوبنا الرعب، وزاد عليه أكثر، عندما طلب منا إحضار (حلة) من دارنا على وجه السرعة، ولأني لم أكن أعرف ماذا يعني بالحلة، فقد عدت إليه من السيارة أسأله، ما الحلة يا دكتور؟ قال: قِدر.. أي قِدر والسلام..؟!
ولماذا القدر يا دكتور..؟ قال: فيه عملية في البلعوم.. نحتاج الحلة..!
ولما عدت متأبطاً حلة من مطبخ الدار، كان الصديق الدكتور (أحمد عرقسوس) - وكان مديراً للمستشفى إلى جانب إدارته للشؤون الصحية - يتفقد العنابر كما هي عادته مساء كل يوم.. عادة سادت ثم بادت.. فلما رآني مع القدر أو القدر معي، صاح فيَّ قائلاً: (إيش هادا يا أستاز!).. قلت: الدكتور طلب حلة لعلاج الولد..!
فتعجب قائلاً: (الله.. الله.. مستشفى طويلة عريضة ما فيها حلة)..؟!
(خلِّ حلتك معاك يا أستاز، وتعال وراية..)، سرت خلفه حتى غرفة ابني (أشرف)، فوجدنا الدكتور (أبو حلة)، منهمكاً في التشخيص تلو الآخر، والطفل الصغير يشخر غير قادر على التنفس، وأنفاسنا تصعد وتهبط معه، ولكن مدير المستشفى، نحى طبيب الحلة فوراً عن الحالة، وشكل لجنة عاجلة، استبعدت مرض النكاف، وأفرجت عن الحلة، وخرجنا بطفلنا وحلتنا بعد أيام، بألف صحة وعافية..!
* أول صدام وقع لي مع إدارة المستشفى، كان عام 1391هـ، فقد بدأت وقتها أكتب في صحيفة الندوة، وكنت مراسلها بالطائف، عن سوء النظافة، ودخول الأطفال مع الزائرين إلى العنابر، وسوء الخدمة، وشكاوى الناس من هذا المستشفى، الذي لم يكن ليقنع أحداً أبداً، على رغم ما هو عليه من تجهيزات وتخصصات، إلى غير ذلك. هذا الأمر الذي لم يكن مألوفاً وقتها - إذ كان المسؤولون لا يُنتقدون في الصحافة - ألَّب عليَّ من كنت وما زلت أعدهم أصدقاء أوفياء، مثل الدكتور عبد الكريم بخش شفاه الله، والدكتور طاهر بن صادق، وهما من أنبل وأصدق من عرفت على هرم المستشفى، إلى جانب آخرين تشرفت بمعرفتهم والتعامل أو التصادم معهم، على صفحات صحيفتي الأولى (الندوة)، ثم صحيفتي الثانية فيما بعد (الجزيرة).
* كنا في مكتب الجزيرة بالطائف، نستقبل شكاوى وملاحظات المتضررين من تردي الخدمات الطبية وغيرها في مستشفى الملك فيصل، خصوصاً وأنها أصبحت ظاهرة، وبناءً على ذلك، خصصت محرراً ومصوراً للتقصي والبحث، وسعت إدارة المستشفى إلى فرض رقابة شديدة على حركتنا، وتهديدنا بما لا تحمد عقباه، ونجحت الرقابة ذات يوم، في ضبط مصور (الجزيرة)، الزميل (محمد عمر)، متلبساً بتصوير معدات طبية بالية، كانت موضوع شكوى، فسحبت الفيلم، و(كرشت) المصور مع محضر شكوى لوزير الصحة - آنذاك - الدكتور (أسامة شبكشي) الذي خص الطائف والمستشفى بزيارة تفقدية تحت ضغط الصحافة، وفي ردهات المستشفى، كان الوزير يسير وإلى جانبه مدير المستشفى، ومن خلفه محرر (الجزيرة) ومصورها المضبوط بجرم التصوير سابقاً، ووجدها مدير المستشفى فرصة للثأر، فخاطب الوزير وهو يشير إلى المصور قائلاً: هذا مصور (الجزيرة) الذي دخل المستشفى وصور من داخله من دون إذن، وكتبنا لمعاليكم بخصوصه.فما زاد الوزير أن قال له: وأين كنت أنت يا دكتور، وهو يتجول ويصور داخل المستشفى..؟!
فكان هذا هو السؤال المفحم، والجواب المسكت معاً.
* أمر كل يوم قبالة بوابة مبنى المستشفى الكبير الذي انتهى مكانه، ولم ينته زمانه، المبنى الذي أصبح أثراً بعد أن كان مأثراً:
تلك (آثاره) تدل عليه فانظروا بعده إلى الآثار |
* في هذا المكان (الأثر)، حل رجال ونساء ملايين المرات، عاملين ومطببين أو مستطبين.. فإدارة هذا المستشفى التاريخي، عرفت أول مدير له، وهو الدكتور (خيري قباني) رحمه الله، ثم حل بعده على كرسي الإدارة وبالترتيب كل من الدكاترة: (بشير الرومي - أسامة الراضي رحمه الله - عبد الرحمن كشميري - عبد الكريم بخش شفاه الله - منصور فارسي رحمه الله - عباس قزاز - طاهر بن صادق - موسى بايمين - محمد أمين طاشكندي - صالح القاضي - أحمد عرقسوس - خالد الزهراني - محمد صبان - طه الخطيب - أسامة ظفر - محمد الشهري، وهو المدير الحالي).
* وبمناسبة الكلام على إدارة هذا المستشفى، فقد عرفت من خلالها رجالاً أكفاء، كنت أختلف معهم وألقى منهم كل الاحترام والود الذي يليق بمن يقومون على خدمة الصحة العامة للمجتمع.
عرفت بداية الدكتور (عبد الكريم بخش)، ثم الدكتور (منصور فارسي) رحمه الله، والدكتور (طاهر بن صادق)، ثم من بعدهم الدكاترة (أحمد عرقسوس، وموسى بايمين، وخالد الزهراني، وطه الخطيب، وأسامة ظفر)، فكنت وما زلت على صلة بأكثرهم الذين كانوا وما زالوا قمة في النبل والأخلاق الفاضلة، رحم الله من غادرنا منهم، وأطال في عمر الباقين، فهذه أطلال ورسوم مستشفى كان هنا، وقوم كانوا ملء العين والبصر.
* لا أنسى في ختام هذا (الحذْف) من الذكريات، أن أشكر الصديق الدكتور (طاهر بن صادق) الذي حفز ذاكرتي، فعزز ذكرياتي، بترتيب أسماء مديري مستشفى الملك فيصل بالطائف، منذ افتتاحه حتى اليوم، فهو طبيب وأديب، له صلة قربى ونسب، بكل ما يمت للثقافة والأدب، فمكتبته الخاصة، وحضوره في المشهد الثقافي العام، يشهدان بذلك.
فاكس 027361552 |